د.أحمد خيري العمري » لغة القرآن بين المجهر والمرقاب : حمالة أوجه…..أم موشور المعاني؟

أحمد خيري العمري

كاتب ، وطبيب أسنان ، عراقي في الشتات ، . المهنة ؟ حفر بكل الأحوال.. في المفاهيم أو في الأسنان.. عشرة كتب.. ويتبع !
    
مقالات

لغة القرآن بين المجهر والمرقاب : حمالة أوجه…..أم موشور المعاني؟

د.احمد خيرى العمرى

2 تعليق

497

مشاهده


 -لغة القرآن بين المجهر والمرقاب : حمالة أوجه…..أم موشور المعاني؟

ديسمبر 2008

تتصل اللغة العربية اتصالاً وثيقاً بمعجزة الإسلام الوحيدة والمستمرة في آن: القرآن الكريم. ولقد كان القرآن وسيلة من وسائل حفظ هذه اللغة واستمرارها، و مما لا شك فيه أن اللغة العربية ما كانت ستكون موجودة بشكلها الحالي لولا القرآن الكريم (ولا نعرف طبعاً

على وجه اليقين إن كان سيبقى هناك عرب على الإطلاق لولا هذا القرآن، ولا نعرف كذلك كيف سيكون شكل العالم لو حذفنا التأثيرات الحضارية التي أسهم فيها تفاعل القرآن مع العالم). 

اللغة العربية إذن هي الوعاء الذي تنزل فيه القرآن الكريم، وبسبب كون القرآن هو المعجزة فإن تداخل اللغة العربية مع هذه المعجزة سيجعلنا مضطرين لتفحص خصوصية هذه اللغة وتميزها بالشكل الذي جعلها مهيئة لتكون وعاء للمعجزة.

 

لا ريب أن عرب الجاهلية باعتبار انحطاطهم التاريخي وباعتبار أنهم كانوا في المرتبة الأدنى حضارياً، كانوا النموذج الأمثل للمعجزة، لأن مجرد نجاح القرآن في نقلهم تلك النقلة كان دليلاً على إمكان تكرار هذه المعجزة مع أمم أخرى، كانت في الأساس في مرتبة أفضل من العرب.

لكن ذلك لا ينفي بالضرورة وجود خصوصية لغوية في العربية تساهم في جعل هذه المعجزة مستمرة.. أو على الأقل تجعل من إمكانية استمرار هذه المعجزة قائمة.

 

ما هذه الخصوصية الكامنة في اللغة العربية التي يمكن أن تجعل من القرآن منجماً لا ينضب من المعاني الفاعلة التي تحرك الأمة وتساهم في نقلها من أدنى المرتبة إلى أعلاها؟

 

تملك اللغة العربية خاصية تميزها عن سواها، وهو امتلاك كل لفظ فيها تدرجاً من المعاني أفقياً وشاقولياً دون وجود تعارض حقيقي في هذه المعاني ..

 

يوجد لكل جذر اشتقاقات متعددة قد تمتلك استخدامات قد تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة، وهي غير مترابطة فعلاً في البعد الأفقي المباشر لها.. لكن في البعد الآخر (الشاقولي) سنجد شبكة داخلية من المعاني التي تتصل ببعضها بطريقة تجعل المعاني ممتدة ومتدرجة دون تعارض..

 

وأنا هنا أقصد حصراً كل لفظ ورد في القرآن الكريم، وكل من حاول التنقيب عن ألفاظ القرآن الكريم مستخدماً المعجم اللغوي بمعزل عن كتب التفسير المباشر سيجد أولاً المعنى المباشر للجذر الأصلي، وسيجد معه “حزمة من المعاني” التي قد تبدو غير مترابطة فيما بينها من ناحية استخدامها، لكن الباحث لو أعاد النظر لوجد فعلاً شبكة من المعاني التي تتصل بعضها ببعض في عمق شاقولي فيما يبدو أولاً أنه غير مترابط، والفرق فقط سيكون في أسلوب النظر والآلة التي ننظر من خلالها، بعض المعاني يمكن رؤيتها بالعين المجردة، بعضها الآخر لا يرى إلا بالمجهر، وبعضها الآخر لا يرى إلا بالتلسكوب (المرقاب).

 

وبين ما هو مجهري وما هو تلسكوبي سيكون هناك ذلك الأفق المتمدد من المعاني التي أشدد على أنها لا تلغي بعضها البعض، هناك ستكون تلك الخاصية المميزة للغة القرآن، التي تجعل من المعاني كنزاً غير قابل للنضوب، وعبرها يصير القرآن مصدراً دائماً لهذه المعاني التي تتدرج لتتكامل..

 

بهذا المعنى لن تكون  لغة القرآن الكريم (حمّالة أوجه) كما هو شائع أحياناً بطريقة سلبية، بل سيكون تعدد المعاني مرتبطاً ببنية داخلية عميقة، كما ترتبط حافات متعددة لبلورة واحدة.. خاصية اللغة العربية هي أنها تكون بمثابة موشور للألفاظ، يقدم معانٍ متدرجة دون تناقض..

كل ما سبق سيكون مجرد تنظير إنشائي إن لم يأت بأمثلة توضيحية لعلها لن تكون كافية هنا لكنها أمثلة عملية على الخاصية الموشورية هذه..

أوضح مثال على ما أقول هو أول لفظ أنزل من القرآن الكريم: كلمة {اقرأ} التي شكلت نقطة الانطلاق لمسيرة التنزيل كما شكلت علامة مهمة حضارياً ونهضوياً، خاصة أنها تداخلت مع لفظ القرآن، وشكلت الجذر الأساس للكتاب الذي صار الركن الأساسي لكينونة الأمة..

 

اللفظ { قرأ} له معانٍ واستخدامات قد تبدو مختلفة للوهلة الأولى، مثل: الجمع والضم، الحمل بالجنين، الحيض، الجهر، الإبلاغ، الفقه، التنسك.. وكلها استخدامات لها شواهد في لغة العرب، وبعضها لها شواهد قرآنية.

 

قد تبدو هذه المعاني مختلفة للوهلة الأولى، قد تبدو مجرد اشتقاقات مختلفة لجذر واحد، فما دخل “القراءة” بالحمل أو بالحيض؟.. لكن التعمق بالنظر عبر قراءة مجهرية _تلسكوبية.. سيؤدي فعلا إلى إعطاء أفق متدرج للمعاني، أفق يحقق التكامل والانسجام دون أن يلغي كل معنى المعنى الذي سبقه..

فالقراءة بحسب هذا التدرج تصير جمعاً وضماً.. هل من معنى يوحي بالقراءة الشمولية التي تتجاوز القراءة الجامدة الحرفية، إلى ما بين السطور وما قبلها وما وراءها أكثر من هذا ؟ إنها القراءة التي تجمع النصوص مع بعضها وتضمها دون أن تنفرد بنص معين، دون أن تقتصر على نص واحد..

 

أليس هذا الجمع أو الضم هو الذي يؤدى إلى أن القراءة تحمل ناتجا ما؟ أليس “الحمل” هو الذي ينتج عن تزاوج ( جمع- اقتران) بين فردين اثنين؟ أليست القراءة الحقيقية هي ذلك التزاوج بين النصوص بمجملها الذي ينتج فكرة جديدة أو فهماً جديداً يكون مثل الجنين أول الأمر، ثم تكبر لتصير مولوداً بعد انقضاء الحمل؟ أليس هذا هو عين الفقه؟ أليس الفقه هو هذه القراءة الجامعة التي تنتج فهماً جديداً تسعى لبناء واقع جديد.. وهل يمكن لذلك كله أن يتحقق إلا بالجهر، بإبلاغ كل ذلك الى الآخرين، بنقل تلك الفكرة من عقل فرد واحد لتصير جزءاً من منظومة عقل جمعي كامل؟ 

 

هل يمكن الآن أن نعتبر أن معانٍ مثل الحمل والحيض في اشتقاقات الفعل “قرأ” بعيدة حقاً عن المعنى العميق للقراءة.. أي بالمعنى الذي يريده القرآن الكريم.. والذي كانت اللغة العربية بخصوصيتها هذه الوعاء الذي تمكن من حمله؟ ألا نجد بهذا كل معاني الاشتقاقات من الفعل “قرأ” التي تبدو أفقياً متباعدة، وتبدو الآن مرتبطة في عمق ما بشكل يثري المعنى الأصلي ويزيده خصوبة وعطاء؟

 

مثال آخر مماثل، جذر الفعل “فلح” الذي يعني في مفهومنا السائد “الفوز” لكن استخداماته واشتقاقاته في لسان العرب لها معانٍ قد تبدو على المستوى الأفقي غير مرتبطة بمعنى الفوز، مثل القطع- الشق- البقاء.. متابعة المعاني مجهرياً وتلسكوبياً سيوضح لنا المعنى العميق للفوز، بالذات المعنى القرآني للفوز، حيث يعتمد ذلك أساساً على بذل الجهد في الأرض (القطع والشق مثالاً على ذلك) وهو المعنى الذي أنتج ارتباط الفعل بالفلاحة والزراعة، ولكن القطع والشق سيرتبط حتماً بكل استثمار لكل ثروة موجودة في باطن الأرض.. هل يحتاج الأمر أن نذكر أن الفلاح الدنيوي للأمم ارتبط بشق ما في الأرض واستثماره، وأن الفلاح الأخروي مرتبط حتماً بفلاح دنيوي مع منظومة أخلاقية.. وهل يحتاج الأمر أن أذكر أن الأمم لا يكتب لها “البقاء” إلا عبر ذلك كله؟ ألا تبدو اشتقاقات الفعل “فلح” الآن مترابطة؟ ألا تعمق معنى “الفوز” دون أن تحذفه؟ ألا تجعل من فلاح المؤمنين في: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون:1] مخططاً للعمل والنجاح يربط الدنيا بالآخرة دون أن يمس المعنى السائد الذي يجعل من فلاح المؤمنين ذهابهم إلى الجنة؟..

 

هذه عجالة تحتاج حتماً إلى المزيد من التأصيل ومن الأمثلة والاستنباط لكي لا نظل أسرى لنظرة أحادية ووجه واحد من حافات البلورة متعددة الوجوه، تلك البلورة التي التي لو أحسنّا استخدامها لصارت موشوراً يقدم من المعاني القرآنية مثنى وثلاث ورباع..

وكذلك لكي لا نصر أن كل نظرة جديدة عليها أن تلغي كل ما سبق..

 

المعاني تتصادم أحياناً، لكن ذلك ليس حتماً مقضياً.. إنها أحياناً تتراكم وتتكامل ولا تثمر إلا بهذا.. لا تعطي المعنى الكامل إلا بتفاعلها المتراكم هذا.. وهذا كله خصوصية مميزة للغة العربية، ولعله السبب الأساسي الذي جعل تلك اللغة وعاء تلك المعجزة.. المعجزة التي يجب أن تكون مستمرة.. التي نستطيع أن نجعلها مستمرة..

أو بالأحرى : يجب أن نجعلها كذلك..

  • yelis bwakal

    بارك الله فيك دكتور ،
    لدي سؤال : ماذا عمّن لا يعرف اللغة العربية ، و قرأ القرآن بلغته و ببعدها الواحد ، كيف سيعرف عن هذه المعاني الممتدة ؟ و كيف ينبغي للقرآن أن يُتَرجَم إلى اللغات الاخرى ؟

  • yelis bwakal

    و ايضا ، لماذا كتب التفسير لا تحمل مثل هذه المعاني ؟ و هل ينبغي لذلك أن يدخل التفسير (ربما على يدك) ؟