د.أحمد خيري العمري » في حوار مع مركز الأصالة للدراسات, العمري :مقبلون على فترة انحسار حقيقي وكبير

أحمد خيري العمري

كاتب ، وطبيب أسنان ، عراقي في الشتات ، . المهنة ؟ حفر بكل الأحوال.. في المفاهيم أو في الأسنان.. عشرة كتب.. ويتبع !
    
لقاءات

في حوار مع مركز الأصالة للدراسات, العمري :مقبلون على فترة انحسار حقيقي وكبير

د.احمد خيرى العمرى

0 تعليق

341

مشاهده


في حوار مع مركز الأصالة للدراسات

 العمري :مقبلون على فترة انحسار حقيقي  وكبير

http://www.assala-dz.net/ar/index.php?option=com_content&view=article&id=589:2010-12-13-21-04-26&catid=11:2010-08-15-10-18-09&Itemid=7

قام الأستاذ طارق بوحبال من مركز الأصالة للدراسات بالحوار التالي مع الدكتور العمري الذي نشر في الرابط أعلاه…اكتوبر 2010

1-  ماهي طبيعة الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية بمختلف تياراتها و توجهاتها؟ 

 

الأزمة الأساسية التي تعيشها الأمة الإسلامية – في رأيي-هي أنها لا تعيش حقا كأمة.. وجودها –ومنذ قرون!- اقتصر على الوجود البيولوجي دون الوجود الحقيقي الذي تحدده المعايير التي أنشأت هذه الأمة أصلاً.. معايير استخلافها في الأرض وفاعليتها وقيامها بدورها الذي لم يكن للأمة أن تقوم لولا أنه أسند إليها..

 بشكل عام هذه هي الأزمة التي تشترك فيها كل التيارات والتوجهات.. بعض التوجهات تستثمر في ذلك.. بعضها تقاوم ذلك… بعضها لا تلاحظ ذلك.. لكن بشكل عام هذه هي الأزمة الأساسية في رأيي..

على نحو أكثر تفصيلاً.. أعتقد أن الأمة خرجت من دورها لأسباب داخلية تتعلق أولا بتقاطعات تاريخية بين الدين والسياسة، وتجلى  ذلك في فهم خاطئ لنصوص دينية.. فهم كرس التعايش مع الواقع السلبي والصبر عليه ( تحت شعار الرضا بالقضاء والقدر أو طاعة ولي الأمر.. أو أمور أخرى مشابهة).. بالتدريج صارت هناك قيم سلبية لصيقة بالموروث وتبدو كما لو كانت جزءاً أصيلاً منه رغم أنها دخيلة عليه.. لاحقاً تفاعل هذا المرض الداخلي مع عوامل خارجية صارت تُستثمر فيه، و تجد فيه ثغرات يمكن من خلالها اقتناص الأمة وتحقيق المزيد من الاستغلال..

العوامل الخارجية في رأيي لم تكن “عسكرية” فقط.. بل لعل أقلها خطورة كان الجزء العسكري البحت، فهو واضح ويستفزّ كل فطرة أي إنسان طبيعي..

أخطر نوع من العوامل الخارجية هو الذي يتعلق بالفكر.. سواء أكان فكراً واضح التوجه يحاول استبدال قيمنا بالكلية (كما حدث ذلك في النصف الأول من القرن العشرين) أو كان فكراً يحاول أن يضع صبغة إسلامية سطحية لتمرير مفاهيم تمسخ ما في ثوابتنا تماما (كما هو حاصل اليوم).. خطورة هذه العوامل أنها تكرس التبعية والشعور بالنقص وبالتالي تعمل على  تكريس “العوامل الداخلية” بشكل أو بآخر حتى لو نادت بغير ذلك…

البعض يطرح سؤالاً وهو: أيهما أولى في المواجهة؟، وهناك من يروج هنا وهناك بأنه لا جدوى من مواجهة الخطر الخارجي لأن المشكلة هي “فينا”.. وفي رأيي إن مجرد طرح السؤال يعكس رؤية غير واضحة لطبيعة المشكلة..

لديك مريض بمرض عضال وهناك من يحاول قتله بالرصاص.. ليس من المنطقي أبدا أن تتركه يتعرض للفتك بالرصاص بحجة أن الأخطر هو المرض العضال.. الخطران قائمان وليس من المنطقي تجاهل أيٍّ منهما.. كما أنه ليس من المنطقي المساواة في طبيعة كلٍّ منهما..

2-   ما السبب في تباين وجهات نظر المفكرين في ذلك، وكذا هذا التخبط وعدم القدرة إما على التزام خط النهوض أو عدم وضوح الرؤية أصلا؟

السبب الرئيسي في هذا التخبط –كما تسميه- هو في عدم وجود تشخيص للمرض الذي أصاب الأمة.. الكثير من الجهود –الفكرية والعملية – تنصبُّ غالباً على معالجة الأعراض وليس الجذور الأساسية للمرض.. وهذا يجعل الجهود مشتتة وضائعة في كثير من الأحيان.. السرطان قد تصاحبه أعراض حمى، لكن معالجة الحمى بمخفضات لن يكون أكثر من معالجة عابرة مؤقتة للعرض دون المرض ولن تؤخر تقدمه..

لذا فإن كثيراً من الرؤى تركّز على الإصلاح والترميم.. رغم أن الأمر قد لا يحتمل ذلك لأنه قد لا يكون هناك جدوى كبيرة من مجرد الترميم.. إذا كانت الأساسات قد أصابها الوهن فلا بد من إعادة البناء ولن ينفع كثيرا طلاء الواجهة..

الكثير من الطروحات الرائجة تمتاز بحسن نية أصحابها ومروجيها لكنها في الحقيقة ليست أكثر من طلاء للواجهة في بيت آيل للسقوط..

3-  كيف لإنسان الأزمة أن يتحول الى إنسان النهضة، عوامل و شروط التحول؟ أم أن الأمر ليس فيه تحول و إنما هو نشوء من الأصل؟

“إنسان الأزمة” هو المرشّح الأهم لكي يكون” إنسان النهضة”.. بل إني لا أعرف ظروفاً أخرى يمكن للنهضة أن تنشأ فيها وفي خضمها إلا من خلال الأزمة.. الأزمة هي الرحم الحقيقي والشرعي لكل الرؤى النهضوية .. لا أتخيل إنسان النهضة خارجاً من مجتمع التخمة والترف و البطر على الإطلاق.. بل أراه مولوداً من مجتمع الأزمة لكن بفكر يخرج من الأزمة..

4-  نشأت مختلف الحركات الإسلامية تبعا لتحديات الواقع، بعد كل العجز الملاحظ على أدائها رغم ما حققته من مكاسب هل استنفذت مبرارت وجودها؟ وهل من ضرورة لإيجاد صيغ جديدة في الشكل والمضمون لإحداث التغيير؟ كيف تنظرون لهذه القضية؟

اسمح لي أن أعترض على صيغة السؤال التي تفترض ما لا أوافق عليه ثم تطلب مني الدليل عليه..لا يمكن تقييم الحركات الإسلامية بالجملة على هذا النحو و تقرير ملاحظة “العجز على أدائها” هكذا.. الحركات الإسلامية متفاوتة في الأداء لأسباب كثيرة.. أهمها الظروف المحيطة والتي قد تكون أكبر من هذه الحركات ولا يمكن إلقاء اللوم عليها نتيجة ذلك. هذا مبدئيا.. أما كون هذه الحركات الإسلامية تحتاج إلى صيغ جديدة شكلاً ومضموناً فهذا حتمي ولا يحتاج إلى نقاش ولن يكون ردّ فعل للعجز المفترض..

ما أودّ أن أضيفه هنا هو تصوري أننا مقبلون على فترة انحسار حقيقي وكبير نتيجة لتغيرات جوهرية في الوضع الدولي والإقليمي…الظروف التي سمحت للصحوة الإسلامية بالنشوء والتمدد قبل  ثلاثة أو أربعة عقود من الزمان لم تعد موجودة، وحلت محلها ظروفا في منتهى القسوة على كل ما هو إسلامي (مع استثناءات سطحية مظهرية هدفها التعايش مع هذا الوضع و نزع فتيل الشعور بأن الاسلام هو المستهدف).. لن ننكر هنا أن بعض الحركات الإسلامية أسهمت بدأب في الوصول إلى هذه النقطة لكن هذا كان جزءا من مجمل الظروف التي ساهمت  في ذلك.

هذا الانحسار القادم سيكون تحديا كبيرا على الحركات الإسلامية أن تواجهه بمضمون مختلف جذرياً.. لقد تعودت الحركات الإسلامية في العقود المنصرمة المفاخرة بكثرة العدد خلفها واستثمرت أكثر مما يجب في هذا على حساب “النوع” و”المضمون”… الانحسار القادم سيسحب العدد.. وسيعمل على جعل العدد المتبقي مفرغاً من المضمون أكثر فأكثر.. ومن السذاجة تجاهل الحقائق المتعلقة بذلك..

من الأمثلة على ذلك: الحجاب في الجامعات.. لقد ظل ذلك يُعَدّ “رمزا ما ” من قبل الحركات الإسلامية ومن قبل خصومها على حد سواء.. كان الخصوم يثيرون الزوابع حول تمدُّد التيار الإسلامي داخل الجامعات وخطورته وكانت الحركات تفاخر بالعدد وبكون ذلك يدل على كون الجماهير معها (وكان ذلك حقيقة لفترة ما).. مع الوقت ومع حدوث تغيرات إقليمية وظهور معطيات جديدة لم يعد العدد دليلا إلا على العكس.. فقد ظهر نوع جديد من الحجاب ليس سوى غطاء للرأس لا يخفي المفاتن بل يبرزها مع سلوك لا يمت للحشمة بصلة أحيانا.. وصار ذلك يمثل تيارا متعاظما يُبرز تمدُّد تيار اجتماعي جديد هو في حقيقته “رأس حربة ” الانحسار وأوضح مظاهره.. وإستراتيجيته الأساسية هي المحافظة على قشرة رقيقة من الواجبات الشرعية (مثل غطاء الرأس و الشعائر) والعمل على تفريغها من مضمونها وإبداله بمضمون مناقض تماما.. ومن نافلة القول هنا أن التفاخر بالعدد الذي مورس سابقا كان خاطئاً، وكنت أستغرب كثيراً حشر ذلك في نقاشات من نوع “هل الحجاب فريضة؟”. .ماذا لو لم يكن هناك إمرأة واحدة في العالم ترتدي الحجاب، هل سيغير ذلك من النص القرآني المرتبط بذلك؟

حديثي عن الانحسار القادم لا يجب أن يعدّ نشرا لثقافة يأس.. لكني أعتقد أن التفاؤل الساذج قد يكون أخطر على الشباب من الحقيقة المرة لأن التفاؤل السطحي الساذج  يزوّر لهم الواقع ويسلب منهم الحصانة التي تلزمهم للتفاعل مع معطيات الواقع.. الحديث عن انحسار قادم هو حديث عن “سنن تداول” علينا أن ندرك تغيراتها من أجل أن نغير خططنا لها لا لكي نركن إلى اليأس.. عندما تؤمن بأن الفترة القادمة ستكون فترة انحسار فإنك ستكون مستعدا لها بعدة أفضل و تحاول الحفاظ على قيمك وثوابتك.. أما عندما تكون منتشيا بالنصر القادم –بمعزل عن كل سننه وأسبابه غير المتوفرة-فإن الجزر سيطيح بك بسهولة أكثر..

5-  يلاحظ أنه مر زمان لم تكن فرص الاتصال متاحة بالشكل الحالي، غير أن مستويات التدين والالتزام كانت جد مقبولة وهو ما أنتج صحوة إسلامية لا ينكرها إلا جاحد. إلا أنه و بتوفر الوسائل و تضخمها من انترنت وفضائيات ونشر باستعمال مختلف الوسائط  ظهر نوع من فقدان الاهتمام لدى قطاعات من الشباب وحتى الملتزم منه، و كأن بركات الوعظ و الإرشاد افتقدت. ما هي أسباب ذلك؟

ليست “ثورة الاتصالات” هي المتغير الوحيد الذي دخل الواقع كي يمكن تفسير ذلك بناء عليه.. كما إن التيار الإسلامي أو تيار الوعظ و الإرشاد كما أسميته ليس وحده في الساحة، فهناك جبهة” الفساد والإفساد” أيضا و هي صاحبة خبرة متراكمة في مجال الإعلام كما أنها مدعومة من لاعبين كبيرين: اللاعب الأول هو اللاعب الدولي  الذي له مصلحة كبيرة في نشر مفردات الفساد والإفساد، واللاعب الثاني هو العامل الغرائزي الذي يلعب عليه هذا التيار..

لا شك في وجود تقصير كبير من طرف التيار الإسلامي.. لكن لا يمكنني تخيل وجود حل لهذا التقصير بمعزل عن حلول شاملة وجذرية لكل الأزمات الفكرية التي نعيشها..البعض يعتقد إن إنشاء المزيد من المواقع –بحلة بهية!- و إطلاق المزيد من القنوات الفضائية هو الحل.. شخصيا لا أعتقد أن هذا سيقربنا خطوة واحدة من ذلك فالقنوات الدينية الرئيسية –وهي ثلاث أو أربع لا أكثر- تسد مسد عشرين قناة ما دام المضمون واحدا..

المسألة تتعلق بالمادة المقدمة نفسها والتي أرى أنها  في أغلبها  معالجة للأعراض لا الأمراض كما أسلفت في الأجوبة السابقة.. إذا كانت حبة الدواء غير مجدية فلن يفرق كثيرا لونها الزاهي البراق أو اسم الشركة المنتجة وحجم الدعاية المصاحبة لها.. إنها ببساطة لا تجدي.. وأرجو ألا يُفهم ذلك على أنه تقليل من جهود الدعاة العاملين في بعض هذه القنوات والمواقع.. لكن مودتنا لهم وتقديرنا لجهودهم يجب أن لا تمنعنا من التقييم والنقد.. فكوننا في تيار واحد (شئنا أم أبينا!) يجب أن يجعل نقدنا “ذاتيا”.. أي بمثابة نقد شخص لذاته..

بكل الأحوال: الغلبة الإعلامية حاليا هي لتيار التفاهة، وهو واقع عالمي ولا يختص به الإعلام العربي فقط ، فالمؤسسات الإعلامية الكبرى في العالم تعامل الإعلام بوصفه جزءا من “صناعة التسلية”، وهو أمر له خصوصية أخرى في عالمنا العربي إن هذا التيار متماهٍ حاليا مع التيار الليبرالي لأسباب لا تخفى…

6-  تبعاً للسؤال السابق، هناك توفر بشكل كبير للمعلومات وهو ما أنتج مشكلة في التعامل معها بسبب مشكلات موجودة لدينا سلفا منها سوء التنظيم (كيفيات العمل، استغلال الوقت…) فوقعنا فيما يذكر من أن كثرة المعلومات تقتل المعلومات كيف تنظرون إلى هذه القضية؟

كثرة المعلومات لا تعني المعرفة بالضرورة.. وهي قد تشوش فعلاً في غياب منظومة قيمية ومعرفية واضحة المعالم.. كثرة المعلومات قد تتحول إلى غابة من القش ومتاهة من الدهاليز المتداخلة ما لم تكن هناك بوصلة واضحة تحمي الثوابت و تميز ما هو طارئ وعابر مما هو أصيل وثابت..

ثورة الاتصالات والشابكة العالمية مدت جسورا لا يمكن إنكار أهميتها بين الكتاب وقرائهم.. وسيكون من الجحود نكران تأثير ذلك.. صرنا نتواصل متحدّين خطوط الطول والعرض والحدود السياسية والرقابة الأمنية.. وهو أمر كان في عداد المستحيل قبل عقد واحد من الزمان تقريبا.. لكن ذلك يجب أن لا يجعلنا نتجاهل وجود أعراض جانبية لثورة الاتصالات هذه.. فنحن اليوم لدينا عددٌ أكبر من القراء لكن الكثيرين منهم ينتمون إلى نمط جديد أفرزته هذه الثورة: إنه نمط النصف قارئ أو حتى الربع قارئ.. كما أنها أفرزت كُتابا أيضا من نمط “النصف كاتب” و”الربع كاتب”.. والعلاقة بين الاثنين متبادلة جدا وأحيانا مستنزفة للوقت والجهد.لا بد من تقبُّل هذه الأعراض الجانبية طبعا لكن لا بد أيضا من تحديدها لكي لا تبدو أكبر من حجمها..

7-  بخصوص الاحتلال الأمريكي للعراق ما هي قراءاتكم لهذا الحدث؟..

قبل أن أقرأ “حدث” احتلال العراق أود أن أعبر عن تحفظي على تسميتك له بالحدث..

مباراة كرة القدم التي جرت أمس “حدث”.. المؤتمر الصحفي الذي عقد قبل يومين هو حدث.. مؤتمر القمة الذي يعقد دوريا هو “حدث”.. أما احتلال العراق فهو ليس كذلك على الإطلاق.. هذا أولا.

ثانياً، لا أفهم أبداً وجود تعدد قراءات لاحتلال العراق.. هناك قراءة واحدة لا غير، تتمثل في رغبة دولة كبرى في الهيمنة والاستحواذ على مقدرات دولة صغيرة  بغض النظر عن أيّ نتائج كارثية.. أي قراءة أخرى تتجاوز هذا سيحتاج صاحبها إلى ضمير جديد..

8-   ألا ترون أن المسلمين يقعون ضحية للمخططات الأجنبية بسهولة ملفتة للنظر، وهو ما لاحظناه في أفغانستان وغيرها في عمليات استدراج وتصفية حسابات؟ أين الخلل؟

لا أعتقد إن الأمر يمكن اختصاره هكذا “بوقوع المسلمين ضحية للمخططات الأجنبية” أو سهولة استدراجهم.. هناك بالتأكيد مؤامرات.. لكن لا يمكن عزو كل شيء لها… هناك أفعال وردود أفعال.. وهناك حراك اجتماعي ينطلق من “عقل جمعي” و”ثقافة سائدة” وليس من السهل اختزال كل شيء بالاستدراج وتصفية الحسابات..

9-  ما هي مسؤوليات العلماء والمفكرين وأصحاب الرأي في العالم الإسلامي عن انخراط الشباب الإسلامي بسهولة ضمن هذه المخططات والمؤامرات؟ ولماذا لا تتوفر جرأة لدى هؤلاء العلماء وغيرهم لتوضيح الرؤية في الوقت المناسب؟

وهذا سؤال آخر يفترض جواباً ويريدني أن أؤيده!.. لا أعتقد أن الأمر بهذه السهولة.. وفي الوقت نفسه في ذاكرتي أكثر من اسم لمفكرين حاولوا التحذير من مغبات التمادي في ردود الفعل لئلا يستغل ذلك من قبل الأعداء.. لكن تحذيراتهم ذهبت كصرخة في واد..

10-                     فشلت محاولات التغيير باستخدام العنف على امتداد الزمان والمكان في العالم الإسلامي، غير أن هذا الخيار يعاود الظهور في كل مرة، ما هو سبب عدم تخلي الجماعات عن العنف؟

يعتمد الأمر على ما تقصده بمفردتي “التغيير” و”العنف”، فإذا كنت تقصد بالأولى “التغيير الفوقي “- أي تغيير نظام الحكم وقمة السلطة فأنت على خطأ طبعا.. لم ينجح سوى العنف في هذا النوع من التغيير السطحي في العالم العربي، لكنه لم يكن على يد الإسلاميين بل على يد سواهم،.. محاولات الإسلاميين في هذا النوع من التغيير أُحبطت ربما لعدم كفاءتهم “المؤامراتية” أو عدم وجود دعم خارجي لهم أو لأي سبب آخر..

أما إذا كنت تقصد بالتغيير “الثورة الشاملة” التي تعيد بناء المجتمع من قاعدته إلى قمته فهذا لم يحدث لا بالعنف ولا بسواه ولا عبر الحركات الإسلامية ولا عبر سواها.. كما أن إلقاء عبء ذلك على حركة سياسية أمر يعني أننا نبالغ في وظيفة هذه الحركات السياسية..

فيما يخص المفردة الثانية.. ماذا تقصد بالعنف…؟..هل هو الاستخدام المفرط للقوة بمعزل عن أية ضوابط شرعية- والذي تتورط فيه دول كما يتورط فيه بعض الإسلاميين وبعض خصومهم أيضا؟..

أم تقصد بالعنف أي استخدام للسلاح حتى لو كان هذا الاستخدام ضمن حزمة الشروط والضوابط الشرعية.. أي ذلك الاستخدام الذي تقره الفطرة الإنسانية أصلاً..؟ .. أم أن هناك من يتصور أن على التيار الإسلامي تبني غاندي زعيماً ومرشداً عاماً له؟

 في الوقت نفسه أرى تعميماً بالغاً فيما قلته عن عدم تخلي الجماعات عن العنف.. فالكثير من الجماعات الإسلامية تخلت عن العنف أو على الأقل قننته واتبعت وسائل أخرى للوصول إلى التغيير (أحيانا استُخدم العنف ضدها عندما كادت أن تصل للسلطة بغير العنف)..

11-                     ما هي أسباب عدم تمكن المسلمين من إيجاد طريق النهوض أو الالتزام به؟ فهم إما انخرطوا فيما هو موجود أو لجؤوا إلى الحلول العنيفة، لماذا يفتقد المسلمون الصبر والنفس الطويل، رغم أن الأدبيات الإسلامية تعج بالدعوة لعدم التعجل والصبر والبناء على المدى البعيد؟

لا أعتقد أن من انخرط في العنف كان هدفه النهضة في الأساس، فكر النهضة بطبيعته -حتى لو برر اللجوء”المقنن” لاستخدام القوة باعتباره جزءاً من سنن التغيير- فإنه من الصعب بالنسبة لمعتنقيه “الانخراط في العنف”.. اللجوء إلى العنف يتم غالباً من قبل الحركات السياسية من أجل التغيير الفوقي-الانقلابي- أو في خضم ردود الأفعال المتبادلة..

لا أعتقد أن المسلمين يفتقدون الصبر.. في الحقيقة أعتقد أن لديهم الكثير منه و لكن بفهم خاطئ لمفهوم الصبر.. لقد صبروا على واقعهم المر كالعلقم ومنذ قرون.. وكان من الأفضل لو أنهم لم يفعلوا!..

أما بخصوص الأدبيات التي تحث على “البناء على المدى البعيد” فهي أدبيات تحاول غرس قيم إيجابية دون أن تجتث القيم السلبية المتراكمة في الموروث.. قيم من نوع “لا تفكر لها مدبر!!”..

وهذا يرجعنا إلى السؤال الأول..