د.أحمد خيري العمري » مدنية على منهاج النبوة!

أحمد خيري العمري

كاتب ، وطبيب أسنان ، عراقي في الشتات ، . المهنة ؟ حفر بكل الأحوال.. في المفاهيم أو في الأسنان.. عشرة كتب.. ويتبع !
    
مقالات

مدنية على منهاج النبوة!

د.احمد خيرى العمرى

0 تعليق

472

مشاهده


مدنية على منهاج النبوة!

د.أحمد خيري العمري

نوفمبر 2012

نجد أنفسنا أحيانا في حروب “مصطلحات” دونكيشوتية ، ننجر لها بالتدريج.

حروب المصطلحات هذه تأخذنا أحيانا من مضامينها الأكثر أهمية إلى مجرد مسميات ، ثم نتوهم في غمرة الحرب ، أن صراعنا حول هذه المصطلحات، وتثبيتها أو الغائها ، سيعوض عن “حقيقتها” ، عن مفهومها، عن البحث في تطبيقاتها وآلياتها ..

مصطلح المدنية هو من هذه المصطلحات بالتأكيد ، والصراع حوله واضح ، والاتهامات متبادلة ومستعرة، وقد صرحت احدى التيارات بأن من منجزاتها “عدم ذكر هذا المصطلح” في مسودة الدستور!..

لكن ما حقيقة هذا المصطلح؟ وكيف تم جرنا إلى “مسماه” وغفلنا عن “المضمون”؟  هل يحدث ذلك مع كل المصطلحات المتداولة والمتحارب عليها ، أننا نتشبث بها أو نتشبث ضدها..دون أن نحاول فهم محتواها ومعانيها وبالتالي محاولة “تطبيقها”.

مصطلح “الدولة المدنية” مصطلح محايد مبدئيا..يتعلق مبدئيا بالمدنية (التي لا يقول أي إسلامي أنه ضدها). وهو مصطلح غير مترجم من أي لغة اخرى ، أي لا يوجد  في العالم  ولا في تاريخ  شيء اسمه “دولة مدنية” مباشرة.لا يوجد في قاموس ومعجم المصطلحات المتعارف عليها مسمى كهذا. ولكن هذا لا يعني عدم وجود معناه، لكن ما هو معناه؟…

يشير بعض الباحثين إلى أن هذا المصطلح قد ولد في خضم الربيع العربي ، استخدم في شعارات مبكرة (في ميدان التحرير في القاهرة على الأغلب) ومن ثم  أنتشر بواسطة الإعلام واستخدم بكثافة من قبل الجميع: الناشطين، السياسيين ،وحتى رجل الشارع العادي الذي صار يريد-أو لا يريد- دولة مدنية.

ما هي هذه الدولة المدنية التي يطالب بها ناشطون دون أن تكون هناك نظرية واضحة للدولة المدنية ودون أن يكون هناك ما قد كتب فيها ، بل دون أن يكون هناك  هذا المصطلح قبل “الربيع العربي”.

هل الدولة المدنية هي النموذج المضاد لدولة يتحكم فيها العسكر؟

هذا وارد طبعا.وهو أمر لا خلاف عليه.إذ يجتمع كل الثوار –بمختلف توجهاتهم-على ضرورة الغاء حكم العسكر وبطريقة ما كل حكم سيطر بواسطة العسكر حتى لو كان رأسه مدنيا دون بزة عسكرية.

ما حدث لاحقا ، وخلال فترة وجيزة من ظهور المصطلح (المحايد في مظهره) هو محاولة الليبراليين والعلمانيين “تجيير”  واختطاف المصطلح لصالحهم وجره ليكون معبرا عنهم ويكونون “الممثلين الرسميين” الصالحين للحديث عنه (وهذا يكسبهم قيمة إضافية، فما دام رجل الشارع صار يتحدث عن “الدولة المدنية”  فهذه فرصة للعلمانيين والليبراليين للظهور بصفتهم ممثلين لهذا المواطن، خاصة أن سمعتهم عند هذا المواطن في أسوء حالاتها)

هكذا ظهرت شعارات “نريد دولة مدنية لا دينية ولا عسكرية” ،وهي شعارات تلخص جهود العلمانيين والليبراليين في جعل الدولة المدنية بديلا عن “الدولة الدينية” ، علما أن لا أحد من الاسلاميين يقول أنه يريد “دولة دينية” ، فكل هذه المصطلحات ولدت في سياقات غربية يتنفسها العلمانيون والليبراليون كما يتنفس غيرهم الاوكسجين.

“عندما يطرح هذا الشعار (مدنية ضد عسكرية ودينية) فهذا يعني تنصل العلمانيين والليبراليين من “علمانية” العسكرتاريا (وهذا طبيعي فكل الأنظمة التي قامت عليها الثورات هي علمانية أصلا ولكنها علمانية جاءت عن طريق العسكر ولم تتح فرصة لتداول السلطة) وهو يعني ايضا أنهم ضد “الخيار الديني” للدولة.

لماذا لا يقولون “ديمقراطية” إذن؟

ببساطة لأن الديمقراطية قد تجلب الإسلاميين.قد يكون خيار الشعب هو الإسلام.لذا فهم يريدون ديمقراطية مشروطة بعدم وجود الخيار الإسلامي.ما المصطلح الذي سيركبون عليه لتمرير حزمة شروطهم هذه (تداول سلطة دون وجود إسلاميين) . ليكن دولة مدنية.مصطلح نظيف. سمعته جيدة ولم تستهلك شعاراته.

لم لا يكونون صريحين ويقولون :علمانية؟

لأنهم يعلمون أن ذلك سيكون مقتلهم وخسارتهم.رجل الشارع العادي الذي يصرح أنه يريد “دولة مدنية” قد يتراجع عن هذا إن قيل له مثلا أن الدولة المدنية = الدولة العلمانية.

ربما هو لا يريد دولة دينية , لكن العلمانية تمثل قطيعة مع ما يريده هذا الرجل ايضا.وهو يرفضها أيضا.

(حدث ذلك فعلا في احدى البرامج الحوارية، إذ ختم أحد المشاركين بقوله :نريد دولة علمانية !، فقاطعته المذيعة فورا : نسميها دولة مدنية أحسن!!!)

لا يجد المثقفون الليبراليون والعلمانيون اذن أي غضاضة في الاعتراف بأن استخدام المصطلح كبديل عن “العلمانية” كان لتمريره على “الناس”  (وهم يصرحون بذلك علنا أحيانا لأنهم يستغفلون الجماهير التي يريدون منها أن تدعمهم..).يصرح جورج طرابيشي بذلك بوضوح.كذلك لؤي حسين على نحو مفصل[1]. ويستفيض عمرو حمزاوي[2] في الأمر حيث يقول أن فصل الدين عن الدولة ركيزة من ركائز بناء الدولة المدنية، بينما يقول في مرة أخرى أن الدولة المدنية لا تعني ذلك، على طريقة الجميع حاليا في قول الشيء ونقيضه .ويتفضل علينا بالقول أن الدولة المدنية ستضمن حق ممارسة الشعائر (عكس العلمانية الشاملة التي ستقيد ذلك!) ويمضي الجميع في الحديث عن أن المادة رقم كذا من الدستور “تتعارض مع مدنية الدولة”  على أساس أن “مدنية الدولة”- وهي مفهوم لا يزال في مرحلة الرضاعة إن كان قد ولد أصلا- صار قدس الأقداس الذي لا يمس.

سيبدو جميع نشطاء الدولة المدنية  كما لو أنهم قد كذبوا الكذبة وصدقوها أكثر مما يجب.هم يتحدثون عن مصطلح “مخترع” ما أنزل الله به من سلطان ولا جاء به التاريخ ببرهان، ولا ذكر في معاجمهم أو التجربة الغربية التي هي مرجعهم، رغم ذلك فهم يحولونه إلى “اليوتوبيا” المنشودة التي من الواجب تثبيتها في كل فقرة من أي إعلان.

(ولعل أقرب ما يمكن فهمه من اختيار المصطلح تحديدا  ليكون “حصان طروادة” بالنسبة لهم هو مصطلح “القانون المدني” –وهو القانون الذي يرجع في إطاره العام إلى القانون الروماني!!- وأيضا مصطلح “الزواج المدني” الذي لا علاقة له بكنيسة أو بعقد شرعي)

حسنا.

هم كذبوا الكذبة وصدقوها لتمرير العلمانية على الناس أمام صناديق الاقتراع.

بعض الإسلاميين قد صدقوا الكذبة أيضا أكثر مما يجب.

بعضهم انجر إلى الدفاع عن مدنية الدولة والتأكيد على عدم تعارضها مع الإسلام (باعتبار أن مفهوم المدنية واضح تماما ولا غبار عليه ، أو باعتبار أن الإسلام كما يفهمونه قابل للصب وإعادة التشكيل مع أي مفهوم حتى لو كان مفهوما لا وجود له!)..والبعض وجد –محقا- أنه من الأنسب إضافة شرط “المرجعية الإسلامية” على “الدولة المدنية” وهو بذلك قد أفسد على الليبراليين والعلمانيين خطتهم الالتفافية في المصطلح.

البعض أختار إلى أن يحرج العلمانيين ، فقبل بالمدنية ، لكن أي مدنية بالضبط؟؟

الطريف في الأمر أن هناك من غلاة العلمانيين(جاد الكريم الجباعي) من يقول أن المصطلح أوجده “الاخوان المسلمين” أنفسهم بعد انقلاب 1952 بمواجهة “عسكرة الدولة” (لا يقدم أي إشارة مرجعية موثقة لهذا ، ويبدو أن الاخوان نسوا أنهم أصحاب الدعوة لو صح ذلك![3]).

بكل الأحوال، ورغم أهمية تحديد المصطلحات.ورغم أهمية تثبيت هوية الأمة ومرجعية الدولة التي لا تقبل النقاش، إلا أنه من المهم أيضا الإشارة إلى أن الصراع حول المصطلحات والتسميات يجب أن لا يأخذنا أبعد مما يجب عن أهمية المضمون وأهمية تطبيق المضمون.

بعبارة أخرى : التنازل عن بعض “الأسماء” ولو مرحليا ، دون التنازل عن مضمونها، قد يساهم في تحقيق المراد على نحو أسلم.ولنا في صلح الحديبية خير مثال على ذلك.

..على سبيل المثال..

ينشغل الكثيرون بالدولة الإسلامية ،وبدولة الخلافة المنشودة. تحديدا بقيام هذه الدولة وإعلان ذلك..يعبرون عن الحنين لها ، وبالتصور الذي لا يخلو من سذاجة ورومانسية بأن كل مشاكلنا ستحل عندما يحدث ذلك.

لكن من قال حقيقة أن دولة الخلافة الإسلامية يجب أن يكون اسمها “دولة الخلافة الإسلامية”؟  من قال أن منصب رئيس هذه الدولة يجب أن يكون اسمه “الخليفة”؟   عمر بن الخطاب مثلا لم يجد بدا من أن يغير لقبه إلى “أمير المؤمنين” دون أن يعني ذلك أنه تنازل عن منصب “خليفة خليفة رسول الله” ودون أن يعني  ذلك أنه قد كف عن أن يكون “الخليفة في الأرض”.

مفهوم الاستخلاف في الأرض أوسع بكثير من أن يكون مجرد نظام حكم.إنه طريقة حياة . نمط في رؤية العالم والقيام بدور في بنائه.وهذا لا يحدث فجأة.ولا ينبت كالكمأ دون جذور.إنه عملية إعادة تكوين جديدة.هل من الضروري أن يقال عن الخليفة في الأرض أنه خليفة؟ من الضروري أن يقوم بدوره أولا.سواء من خلال الفرد أو المجتمع.أما التسميات فهي  محض تحصيل حاصل.

ولن تكون دولة الخلافة دولة خلافة فعلا بمجرد إعلان أنها كذلك.

عليها قبل ذلك أن “تكون” دولة خلافة حقا..

الرسول عليه الصلاة والسلام قال “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة” ولم يقل تعلن “خلافة على منهاج النبوة..

فلنتذكر هنا أن دولة الخلافة الحقيقية لا تعيش عالة على غيرها.لا تكون إن كانت تستورد طعامها ودواءها سلاحها ووسائل اتصالها وكل معارفها ممن تعتبرهم “دار حرب”,..ولا تكون إن لم يكن فيها عدالة اجتماعية وكان الناس فيها ، كل منهم ، يقوم بدوره كخليفة في الأرض…من موقعه.

الدرب إلى ذلك طويل ووعر حتما.

لكن حرق المراحل على أمل اختصار الطريق الطويل، قد يقود إلى حرق المشروع برمته.

[1]http://www.internationalpeaceandconflict.org/profiles/blogs/the-civil-state-the-new-political-term-of-the-arab-world?xg_source=activity#.ULCOURIzG9B

[2] http://www.arabist.net/blog/2011/10/21/in-translation-amr-hamzawy-on-the-civil-state.html

ويمكن ايضا متابعة لقاءاته على اليوتيوب في الموضوع.

[3] http://dimoqrati.info/?p=2958