أحمد خيري العمري » “أسلمة” القيم الأمريكية : توفيق أم تلفيق؟

أحمد خيري العمري

كاتب ، وطبيب أسنان ، عراقي في الشتات ، . المهنة ؟ حفر بكل الأحوال.. في المفاهيم أو في الأسنان.. عشرة كتب.. ويتبع !
    
مقالات

“أسلمة” القيم الأمريكية : توفيق أم تلفيق؟

د.احمد خيرى العمرى

0 تعليق

1219

مشاهده


“أسلمة” القيم الأمريكية : توفيق أم  تلفيق؟

د.أحمد خيري العمري-القدس العربي

ديسمبر 2008

ليس الانبهار بالغرب- في حياتنا الثقافية- مرضاً يخص “المتفرنجين” وحدهم، بل هو منتشر كالوباء في كافة فئات وأصناف المثقفين، كما في كافة طبقات المجتمع..

ولهذا فهو يصيب المتدينين أيضاً.. وأعني بهم المتدينين حقاً، أولئك الذين يحرصون على أداء الشعائر ويشعرون بالغيرة على دينهم، مقارنة بأدعياء التجديد الديني ممن نعرف جيداً أن علاقتهم بالصلاة أفضل قليلاً من علاقتهم بالسنسكريتية!

هناك صنف آخر متدينون حقاً، لا شك في صدق نواياهم، لا دليل أبداً يمكن أن يسند “نظرية المؤامرة” (المشهرة دوماً) ضدهم، إنهم (متدينون) بكل ما في الكلمة من تفاصيل شعائرية وحرص عليها، لكنهم مصابون أيضاً بذلك المرض: الغرب، إنه أيضاً في قلوبهم..

*   *   *

ولكي نكون منصفين فعلينا أن نبحث عن التفسير لهذا المرض.. التفسير الذي لا يبرر المرض طبعاً ولكنه “يفسره”.. فمقابل الفشل المزمن الذي تعيشه أمتنا منذ قرون متطاولة، هناك نجاح (بمقاييس معينة) للغرب بذرى متصاعدة ومتلاحقة.. ومقابل تاريخ نفخر به ونبتعد عنه كل يوم، هناك حاضر يفخر به الغرب ويقوده دوماً إلى مستقبل يحاول أن يكون أفضل (بمقاييسه طبعاً).. مقابل تفرقنا وعدم انضباطنا وعطالتنا وكسلنا والقمامة في شوارع عواصمنا، هناك إنجازاتهم وانضباطهم واحترامهم للوقت، والنظافة في شوارعهم.. باختصار.. كل واقعنا يضعف المناعة أمام دخول ذلك المرض.. المرض بالغرب..

ولكن، لأن هؤلاء متدينون حقاً، ورؤوسهم ليست “حصان طروادة” لإدخال الغرب (على الأقل ليست تلك نية هذه الرؤوس) فإن موقفهم مختلف تماماً، بين حرصهم على دينهم وتمسكهم به، وانبهارهم بالغرب وبريقه، ينشأ عندهم سلوك فكري مختلف، يجمع بين الموقفين، ويحتوي على نية توفيقية، تنتهي غالباً بالتلفيق…

*   *   *

والحقيقة أن المرض ليس حديثاً جداً.. بل لقد دمغ ما يسمى “مرحلة النهضة والتنوير” ( النهضة التي لم تحدث! والتنوير الذي فسر النور بأنه نور الحضارة الغربية حصراً!).. وكان دعاة هذه النهضة وإصلاحيوها هم أول من حمل المرض، أو إنهم على الأقل أول من قام بالتنظير للمرض والترويج له، ولا يزال انبهار الطهطاوي بمحاسن “باريز” شاهداً في لاوعي هذه النهضة.. وكذلك عبارة محمد عبده الشهيرة التي تكاد تمثل “المفتاح” في منهجية التوفيق التلفيقي: “وجدت في الغرب إسلاماً و لم أجد مسلمين.. وفي بلادنا وجدت مسلمين ولم أجد إسلاماً.. الخ”.

نظرية المؤامرة- على الرغم من رواجها- ليست حتمية على الإطلاق، بل الأكثر ترجيحاً هو نفسية المغلوب أمام الغالب.. وواقع الانهيار والتمزق وازدهار الخرافة أمام واقع الإنجاز والانتصار والازدهار العلمي.. كان “الانبهار بالغرب” جزءاً من “قدر المرحلة”.. ولم يكن من الممكن أو من المفكر فيه الإبحار بعيداً عن منطق الحضارة الغربية وشروطها في تلك المرحلة.. لكن المشكلة كانت في أن الانبهار بدل أن يكون مرحلة عابرة صار حالة مزمنة.. وبدلاً من أن يتعرض للترشيد والعلاج تعرض للتأصيل والتنظير.. وهكذا فإن ما كان مقبولاً كقدر مرحلة مبكرة من الاحتكاك بالغرب، صار مع استمراره أمراً غير مقبول بالمرة ويحمل دلالة مرضية عميقة…

باختصار شديد، يعتبر هؤلاء المتدينون أن كل ما هو إيجابي في الغرب، متوافق مع قيم الإسلام الأصلية، وكل ما هو سلبي في الغرب يمكن التخلص منه في استلهام التجربة الغربية، وطبعاً تعريف السلب والإيجاب يعود للقيم والمواصفات الإسلامية، والسلبيات غالباً هنا تتمحور حول العلاقات الجنسية المفتوحة في الغرب، وانهيار الأسرة ..الخ.

 إنهم يعاملون (الغرب) ليس ككتلة واحدة تطورت وفق منظومتها الداخلية لتصل إلى ما وصلت إليه، بل يتصورون أن الغرب يمكن أن يتجزأ، وأن “المساوئ” يمكن أن تعزل عن “الإيجابيات”، أي كما لو أنها ليست ناتج “ثانوي” حتمي من تفاعل أكبر منه هو جوهر ومحور الحضارة الغربية..

هذا التسطيح في النظر للغرب يزيد من الانبهار به، لأنه يوهمهم أن استلهام التجربة الغربية مع حذف ما يعتبرونه من سلبياتها- أمر سهل جداً، ووهمهم يقودهم إلى ما هو أكثر من ذلك، إذ يتوهمون أن الغرب يمكن أن يشهر إسلامه بسهولة؛ لأنه مسلم فعلاً! (لولا بعض هذه الأمور..) وكل ذلك، كتحصيل حاصل، يقودهم إلى “أسلمة القيم الغربية”.. بالذات في نسختها الأمريكية، يحدث ذلك دون وعي أحياناً، وبوعي تام في أحيان أخرى.. ويعني ذلك أنهم يتفحصون القيم الغربية(بنسختها الأمريكية خصوصاً)، ويبحثون في التراث عما يتوافق معها، ولأنهم يبحثون بطريقة تتساوى فيها المنامات مع حكايا الصالحين مع الأحاديث الآحاد والصحيحة مع الضعيفة مع المتواترة مع الآيات القرآنية الكريمة، فإن لديهم هامش واسع لكي يجدوا ما يرومون إيجاده.. ولو باجتزاء النصوص من سياقها ومن فضائها المعرفي (..وكذلك سيجد صاحب أي تراث، بوذي أو هندوسي أو مجوسي، لو أراد أن يبحث بطريقتهم تلك) والنتيجة التي نصل إليها في النهاية: (أرأيتم؟.. لم يتفوقوا علينا إلا بما نملكه أصلاً.. لقد طبقوا ما هو موجود عندنا.. بعد أن تركناه نحن.. علينا فقط أن نعود إلى تراثنا وقراءته من جديد حسب المنظور الغربي).

*   *   *

ولو أن القيم الأمريكية المحركة لسلوك الشارع الأمريكي، أحصيت عبر الأمثال الشعبية السائدة هناك (كما فعل Stan Nussbaum  صاحب كتاب “ألفباء الثقافة الأمريكية” ABCs of American culture ) لوجدنا أن “هؤلاء” سيتدافعون لبحث مرادفات لها في النصوص والحوادث التي حصلت في عهد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، ولأن كل التجارب البشرية قد تمتلك عرضاً بعض التشابه، حتى وإن اختلفت في نقطتي الانطلاق والهدف، فإنهم سيجدون ما يبحثون عنه، دون التفات كبير للاختلاف المهم: نقطة الانطلاق، ونقطة الهدف من هذا الانطلاق.. وهكذا فإن قيم الفردية والاستهلاك والنجاح بمعناه المادي المجرد، وكلها أركان أساسية في هيكل القيم الأمريكية، ستتم أسلمتها عبر اختيار نصوص مجتزأة من سياقها، يتم حشرها في معرض محاولة التوفيق بين القيم الأمريكية والإسلام..

 فالمثل الذي اختير ليكون بمثابة الوصية الأولى من الوصايا العشر الأمريكية وهو “لا تستطيع أن تجادل النجاح” You can’t argue with success والذي يجسد “حلم النجاح الأمريكي”، سيتحول عند هؤلاء وفوراً إلى “المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وإن اليد العليا خير من اليد السفلى” والوصية المثل الثاني “عش ودع غيرك يعيش”  and let Live  Liveوالتي تكرس بوضوح نمط الحياة وقيمة الفردية شديدة الأهمية والتجذر في المجتمع الأمريكي، سيتم تحويلها إلى أن المؤمن هين لين، كيس فطن سهل التعامل مع الآخرين، يبتسم في وجوه الآخرين لأن تبسمه صدقة. والوصية الثالثة “الوقت يطير عندما تمرح”Time flies when you are having fun.. سيقولون عنها: “إن لبدنك عليك حقاً”، وإن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام سابق زوجته عائشة، وإنه كان يداعب الصغار والعجائز، حتى الوصية الرابعة “تسوق حتى الموت”Shop till you drop ، التي تمثل نمط الحياة الاستهلاكي على الطريقة الأمريكية (الضروري والحتمي لدوران عجلة الإنتاج وصب الأرباح في جيوب الرأسماليين)، سيتم استيعابها بالقول: إن الإسلام ليس ضدّ الرفاهية، وأنه عليه الصلاة والسلام كان يمتلك بردة خضراء جميلة، وأن فلاناً من الصحابة ترك كذا وكيت من الأموال عند وفاته، أما وصية “فقط اعملها” Just do itوالتي صارت بمثابة إعلاناً عن نمط الحياة الراكض اللاهث، فإنهم سيربطون بينها وبين “إذا عزمت فتوكل على الله”.. أو “اعقلها وتوكل”. كذلك سيربطون حتماً بين تقديس الوقت عندنا وكيف أن الله سبحانه وتعالى أقسم به في سورة العصر، وبين (Time is money).. أو الوقت الثمين..

وهكذا فإن عملية التوفيق التلفيقي تجري بشكل آلي ولا واعي تقريباً، ودون انتباه إلى القيم المختلفة التي تجعل كل هذه الوصايا مختلفة عن الوصايا الإسلامية حتى لو حصل تشابه عرضي بينها.. كل وصية من هذه الوصايا تعبر عن قيم أمريكية ليس من السهل أسلمتها، إلا إذا كانت هذه الأسلمة هي محض صبغة وقناع زائفين لقيم أمريكية يراد تسويقها بأي شكل.. ولو كان الثمن ليّ عنق النصوص الدينية...

وهكذا كان الإنجاز الأكبر لهؤلاء – الذين نشدد على أنهم متدينون حقاً هو أنهم أسلموا بعض القيم الأمريكية (خاصة: الفردية، والاستهلاك)، وضعوا عليها بعض الشعارات والأقوال.. إنها قيم يروج  لها بكل الأحوال، مع الإعلام ونمط الحياة وكل شيء.. كل ما في الأمر، أن هؤلاء يحاولون جلب الراحة لضمائرنا عبر القول: إننا سنكون مأجورين لو تبنيناها..!!