أحمد خيري العمري » “غير المنظور” من إيجابيات وسلبيات الدعاة الجدد

أحمد خيري العمري

كاتب ، وطبيب أسنان ، عراقي في الشتات ، . المهنة ؟ حفر بكل الأحوال.. في المفاهيم أو في الأسنان.. عشرة كتب.. ويتبع !
    
مقالات

“غير المنظور” من إيجابيات وسلبيات الدعاة الجدد

د.احمد خيرى العمرى

0 تعليق

1266

مشاهده


“غير المنظور” من إيجابيات وسلبيات الدعاة الجدد

د.أحمد خيري العمري

ديسمبر 2008

لم يبق هناك، تقريباً، ما يمكن أن يقال بخصوص “الدعاة الجدد”، فبين إفراط عند بعض الجهات في الإعجاب بهم ووضعهم في مصاف “قادة النهضة”-التي لم تحدث بعد- وبين غلو في الرفض إلى حد التكفير عند البعض تبقى هناك ظاهرة جديرة بوضعها في سياقها وحجمها الحقيقيين.. بعيداً عن الانبهار بنجومية هؤلاء الدعاة، وبعيداً في الوقت نفسه عن محاكمتهم بشكل مسبق أو تجاهل تام لجماهيريتهم..

هناك إيجابيات “منظورة” وسلبيات “منظورة” مع ظاهرة الدعاة الجدد، السلبيات المنظورة ليست مجال بحثي الآن، علماً بأن ذلك قد أشبع بحثاً، والإيجابيات المنظورة معروفة أيضا، لقد استطاعوا “الاستثمار ” في فئة جديدة كانت حكراً على المطربين الشباب وعلى نجوم الفن والرياضة والنوادي الاجتماعية، و استطاعوا نشر مظاهر للتدين – على الأقل- في أوساط كانت بعيدة عن هذا..و الأوساط التي لم تكن تتفاعل مع خطاب الوعظ التقليدي صارت تتجاوب أكثر مع هؤلاء.. يجب ألا ننكر كذلك أن بعض هؤلاء الدعاة يمتلكون موهبة حقيقية وأن واحداً منهم على الأقل – من وجهة نظري- يمتلك موهبة استثنائية جدا.

بعض من آليات هذا النجاح كانت مؤسسة على استخدام أسلوب مغاير لأسلوب المشايخ: الملابس الأنيقة الحديثة، والابتسامة اللطيفة التي تعقب كل جملة، والثراء البادي في الديكورات، وجمهور أنيق مكون في جزء منه من صبايا حسان.. وكل هذا كان غائباً كما هو واضح في خطاب الوعظ التقليدي، ولا مشكلة حقيقة مع هذه الآليات نفسها..

المشكلة هي في السلبيات “غير المنظورة” من هذا الأمر، وهو أن يتوهم البعض أن تفاصيلَ ثانويةً كهذه، ومن هذا المستوى الذي يركز على المظهر، هو “التجديد” المنشود.. الذي سيقدم للأمة ما تحتاجه لكي تنفض عنها غبار بضعة قرون من الانحطاط..

وللأسف الشديد، فإن هذا الوهم قد ساد وانتشر، وسادت معه فكرة أن هذا المظهر الجديد الـ “New look” الذي ظهر به بعض الدعاة والوعاظ هو التجديد الحقيقي، وأن انتشاره الجماهيري (عبر وسائل الإعلام طبعاً) هو دليل على مصداقيته وعلى كونه “النموذج المطلوب”..

بادئ ذي بدء، فكرة أن النجاح الجماهيري هو دليل على أي شيء مهم، هي فكرة تحتاج إلى إعادة نظر، فالإعلام حالياً يسوق أي شيء، ويمكن، مع قليل من الموهبة، وكثير من المظهر اللائق، والدعاية، تسويق أي أحد، في أي مجال..

وهذا بحدّ ذاته، لا إشكال كبير معه، بل لا إشكال على الإطلاق، على الرغم مما فيه أحياناً من تكريس للنزعة الاستهلاكية، ومن تركيز على المظاهر السطحية دون المضمون وعمقه..

لكن الإشكال الكبير في كل هذا، هو ذلك التصور أن “التجديد” محض تكرار لما قيل قديماً، ولكن بأسلوب جديد ومظهر أكثر حداثة.. لأن هذا هو، على الأغلب، جلّ ما حدث مع “الدعاة الجدد”، لقد أعادوا تقديم ما كان الوعاظ التقليديون يقدمونه، وما هو موجود في بطون الكتب، لكن مع رتوش هنا وهناك، فبدلاً من التقطيبة الغليظة، صارت هناك الابتسامة المتقنة، وبدلاً من الصياح العالي (الذي كان مطلوباً على المنبر قبل استخدام مكبر الصوت، ثم استمر مع مكبر الصوت من باب العادة)، بدلاً من هذا الصياح، صار هناك الصوت الهادئ الدافئ المنسجم مع الابتسامة نفسها، وبدلاً من الثوب التقليدي لرجل الدين المتمثل في الجبة والعمة، والتي كان المتلقي يشعر بالهيبة والرهبة إزاءَهما، صار هناك الثوب المعاصر جداً، حسب آخر خطوط الموضة، والتي سيشعر المتلقي إزاءَها بالرغبة في أن يقتنيها ويرتديها، بدلاً من حاجز الهيبة الذي يستشعره أمام ثياب رجل الدين وبدلاً من الخلفية المعتادة التي كانت تصاحب رجل الدين في مخيلتنا، والتي تشبه المسجد غالباً، والمنبر والمحراب خلفه.. فالأثاث الآن أكثر حداثة ومعاصرة، ويشبه صوراً مأخوذة من أحدث مجلات الديكور.. والجمهور كذلك، صار مختلفاً، ففرق كبير بين جمهور الشيخ الشعراوي – مثلاً- في الحلقات التي سجلت له في الثمانينات، وجمهور الدعاة الجدد، فجمهور حلقات الشعراوي كان هو جمهور المسجد نفسه، بلا رتوش ولا انتقائية، جمهور حضر المسجد من أجل سماع درس الشيخ، ويشبه الذين قد تراهم في الشارع أو في محطة الحافلات، بينما جمهور الدعاة الجدد، يشبهون، أولئك الذين يرتادون النوادي الراقية، وفي ذلك رسالة “ضمنية” إلى المتلقي، أن يصير “مثلهم”..

لكن ماذا عن الموضوعات التي يختارها أغلب الدعاة الجدد؟ إنها في معظمها موضوعات الوعاظ القدامى نفسها، مع بعض التقديم والتأخير، فبينما كان يركز على الترهيب مثلاً (أي التذكير بأهوال القبر ويوم القيامة وجهنم..) فإن الدعاة الجدد يركزون على الترغيب (أي التذكير بحب الله تعالى لعباده ورحمته لهم ولذائد الجنة.. الخ) دون أن يتركوا أمر الترهيب تماماً، كما أن الوعاظ القدامى لم يكونوا قد تركوا أمر الترغيب تماماً.. وعلى الرغم من أن رسالة الترغيب وحب الله تعالى لعباده بدت للوهلة الأولى، في شكلها الجديد، كأنها غير مسبوقة وحديثة فعلاً، إلا أن الدعاة الجدد، قد نهلوا من كتب التراث ولم يفعلوا أكثر من أن قدموه ضمن الديكور الجديد والنبرة الهادئة اللطيفة.. هناك ومضات استثنائية تمكن فيها بعض هؤلاء من تقديم ما هو جديد فعلاً، ولكن هذه الومضات تضيع في الزحام “الكمي” لتكرار ما قاله الأولون بأسلوب معاصر.. وهكذا فإن “الدعاة الجدد”- دون قصد – قد كرَّسوا فكرة “أن الأولين لم يتركوا شيئاً للآخرين كي يقولوه”، وغاية ما في الأمر، أن نكرر ما قاله الأولون استنساخاً لكن بطباعة أوفسيت حديثة وصقيلة وبهيجة الألوان، بدلاً من الاستنساخ التقليدي بخط اليد.. هذه الفكرة مضرة جداً للتجديد الحقيقي، فهي تسطّح مفهوم التجديد ككل، وتجعله محض عملية “تجميل” سطحية مثل شدّ الجلد أو نفخ الشفة، دون أن تحدث تغييراً أعمق، كما أنها تربط عملية التجديد (التي قد تحمل أفكاراً غير تقليدية) برضا الجماهير وقبولهم. من قال: إن التجديد الحقيقي سيواجه قبولاً فورياً عند الجماهير؟ من قال: إنه يجب أن يسمعها ما تريد سماعه؟ ربما، بل من المؤكد، أن الجديد يجب أن يواجه بالرفض في بادئ الأمر، فالصراع مع القديم جزء من طبيعة السنن، وربط الأمر بالجماهير (التي يسيرها الإعلام –حالياً-على كل حال) أمر يمتهن من حقيقة أن التجديد الذي نحتاجه قد يصدم الجماهير أحياناً، بدلاً من أن يرضيها وقد يصفعها أحياناً أخرى ليوقظها من نومها التاريخي..

كان هذا الجزء السلبي غير المنظور من الظاهرة، فماذا عن الجزء الإيجابي غير المنظور؟

هناك إيجابية “غير منظورة” على الرغم من إنها في نظري مهمة جداً، ارتبطت مع نجاح الدعاة الجدد أو مع أنجحِهم وأكثرِهم تميزاً وأكثرهم إثارة للجدل في الوقت نفسه، إلا وهي الترويج لمفردة “النهضة“.. قبل نجاح هذه الظاهرة كانت هذه المفردة “نخبوية”، ولا امتداد شعبي لها، بل أنها كانت تبدو غريبة كما لو أنها قادمة من كوكب آخر، مثل شعار فارغ من شعارات السياسيين والمثقفين.. مع ظاهرة الدعاة الجدد، بالذات مع أكثرهم أهمية وتأثيرا وعمقا، صارت المفردة رائجة، حتى مع الشباب الذين قد لا يدل مظهرهم الخارجي على أي اهتمام بفكرة كهذه، صحيح أن هذا الامتداد الجماهيري لم يصاحبه تعميق مناسب للفكرة وأن النهضة هنا تبدو  أحيانا مسطحة كما لو كانت عملاً خيرياً أو رحلة كشفية لا أكثر.. وصحيح أيضاً أن هذا التسطيح لفكرة النهضة قد  يفسح المجال تلقائياً للنموذج الغربي للنهضة لكي يحتل الأذهان باعتباره النموذج الوحيد المفكر فيه، لكن كل هذا يمكن أن يكون جزءاً من”قدر المرحلة“، فهؤلاء “الدعاة الجدد” قد يكونون “مرحلة انتقالية” كما أسماهم الدكتور المسيري، وإنزال مفردة “النهضة” من البرج العاجي إلى الناس إنجاز ليس بالهين، لكن المهم هنا هو عدم الاكتفاء بهذا بل تقديم فكر نهضوي حقيقي: فكر يلتحم بالناس، ويفعل قدراتهم.. ويجعلهم مادة النهضة وهدفها في الوقت نفسه..