أحمد خيري العمري » مشروع النهضة من البذرة الى التمكين (1-4)

أحمد خيري العمري

كاتب ، وطبيب أسنان ، عراقي في الشتات ، . المهنة ؟ حفر بكل الأحوال.. في المفاهيم أو في الأسنان.. عشرة كتب.. ويتبع !
    
مقالات

مشروع النهضة من البذرة الى التمكين (1-4)

د.احمد خيرى العمرى

0 تعليق

1431

مشاهده


مشروع النهضة من البذرة إلى التمكين (1)

فجوة الزمان والمكان و”الفرصة التاريخية”

د.أحمد خيري العمري- العرب القطرية

ديسمبر 2008

فجوة الزمان والمكان و”الفرصة التاريخية”

تمر الأفكار بمختلف أنواعها، بأطوار هي أشبه بأطوار الاستحالة، تلج فيها من عالم هو أشبه بعالم العدم، ثم تنمو، وتزدهر، إلى أن تبلغ قمة نضجها واكتمالها..

يحدث ذلك مع فكرة قد تكون فكرة مبدعة في رأس فنان مبدع، لكنه يطاردها، ثم يقتنصها، يتقمصها، يصيرها، وتصيره، إلى أن يستطيع أن يجسد الفكرة، بعمل متكامل..

ويحدث أيضاً مع النظريات العلمية، يبدأ الأمر بفكرة قد تكون غريبة ومرفوضة وخارجة عن السرب، ثم تنمو، وتتطور، ومن طور إلى آخر، إذا بها قد صارت نظرية، سيكون لها أعداؤها، وأيضاً مناصروها، ومع الوقت إذا بها تدحض أعداءَها، ربما لا تضمهم إلى صفها بالضبط ولكنهم مع الوقت يقلون عدداً، ومن ثم تنجح لا في امتحان التطبيق فقط، بل في امتحان “الزمن”..

كذلك الأمر مع الإيديولوجيات والعقائد، تبدأ كفكرة قد يرفضها السائد والمتعارف عليه اجتماعياً، فكرة منبوذة قد لا تثير غير الاستنكار، لكن مع الوقت، تتراكم حول الفكرة الأفكار، وتتلاءم معها، ويزيد المؤمنون بها، بعضهم يقدم المزيد من الأفكار، وآخرون قد يقدمون أكثر من الأفكار، قد يقدمون حياتهم – حرفياً – وأحياناً يقدمونها حتى بأعمق من تقديمها حرفياً.. وقد يتمكن ذلك التلاحم لاحقاً من إحداث ثغرة في جدار الواقع، وقد تكبر الثغرة لتصير شرخاً، ومن الشرخ تتسرب الإيديولوجية لتتشرب في الواقع..

وليست “فكرة النهضة” ببعيدة عن هذا، إنها تمر أيضاً بمراحل وأطوار جزئية، قد يدوم بعضها دهوراً، وقد يدوم بعضها الآخر ما هو أقل، إلى أن يحدث الظهور – الولادة..

مراحل التشكل هذه ليست مرتبطة بقانون واضح يضعها في إطار وقالب، قد تتمدد وتتقلص بحسب المحيط الأوسع، لكنها في مرحلة ما ستوثر في هذا المحيط، وسيصير ساحة لتفاعلها.. ونموها..

عن مراحل التخلق والتشكل هذه، عن أطوار الاستحالة التي تمر بها الفكرة، تحدثنا سورة الكهف، التي جرى العرف قراءتها كل جمعة، كما لو أنها تجعلنا نراقب هذا التشكل أسبوعياً، كما لو أن هذه القراءة تجعلنا أيضاً نرعاه، نهتم بإنمائه وبتغذيته، نحميه، نكون جزءاً منه، أو يكون هو جزءاً منا..

سورة الكهف، بسياقها الأوسع، تجعلنا في خضم عملية تخلق واسع وممتدة، تجعلنا نتواصل مع أطوار الاستحالة تلك، تضعنا في تماس معها على الرغم من أنها خارج الزمان والمكان، لكن نقطة التماس هذه معنا تستحضر وتستفز عملية التخلق، تقدح شرارتها “افتراضياً على الأقل” في أعماقنا..

يبدأ الأمر من ذلك التعجب من التعجب: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً} [الكهف: 18/9] فليس العجيب هو طور واحد من هذه الأطوار، ولكن الأمر الأكثر إثارة للإعجاب هو عملية التخلق ككل، هو هذا الانتقال الذي يحدث من طور إلى آخر، عبر القرون وعبر القارات ومن قبل أشخاص قد لا تربطهم أي رابطة مادية واضحة، غير رابطة المشاركة في أطوار الاستحالة..

سنراهم أول شيء، أولئك الفتية الذين آمنوا بالفكرة، وستكون فتوتهم هنا رمزاً لشباب يكون دوماً هو أول من يعتنق الفكرة الجديدة ويؤمن بها، ربما لأنه يكون قد تعرض لتدجين أقل، ربما لأن هذا الجيل الجديد أكثر قدرة على رؤية الفساد والظلم في المجتمع القائم، ربما لأنه لم يفسد بعد، ولم يتورط بعد، ولم يصبح جزءاً من هذا العالم، ربما لأنهم لم يغتالوا الحلم فيه، لم يفقدوه إيمانه بقدرته على التغيير، لذلك نراهم هناك، في ذلك الطور الأول، آمنوا بربهم فزادهم هدى، وكان الشرك هنا ليس مجرد عقيدة فاسدة، بل كان منظومة واسعة من القيم والعلاقات الاجتماعية التي “الظلم” هو سمتها الأساسية، وكان هؤلاء الفتية، يغردون خارج السرب الاجتماعي القائم، وكانت منظومتهم الفكرية هي الأصدق والأكثر عدالة والأقرب إلى النسق الكوني، إلا أنها كانت نشازاً ضمن ذلك الواقع المحيط.

وكما كان شباب حاملي الفكرة سبباً في قوتها، فقد كان أيضاً سبباً في ضعفها من جانب آخر، كان صغر سنهم سبباً في جعلهم يعتنقون الفكرة، لكنه كان سبباً أيضاً في رفض المؤسسات القائمة لهم ولها، بلا دعم مؤسساتي، لم يكن لهم أن ينشروا فكرتهم، بل لم يكن ممكناً لفكرتهم أن تصمد.

كانوا يواجهون خطرين: إما الإزاحة المادية والإقصاء المعنوي الذي سيقوم به المجتمع تجاههم، أو تذويبهم واحتواءهم بالتدريج، كانت “فكرتهم” وهي لا تزال جنينية غير مؤهلة بعد للتفاعل، غير مؤهلة للصمود، وكان التفاعل المبكر قد يؤدي إلى إجهاضها وقتلها أو قتلهم هم.. لذلك كان لا بد من خيار ثالث غير هذين، خيار يحافظ على “الفكرة” – “الجنين” ويحميها من التفاعل المبكر ويمنحها الوقت اللازم للنمو، إلى أن يأتي وقت التفاعل الأنسب الذي سيزيد الفكرة مناعة ورسوخاً.. هذا الخيار الثالث هو “الاعتزال” {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً} [الكهف: 18/16] فلننتبه أنه لم يكن “العزلة”، بل كان “الاعتزال”، والفرق بين الاثنين أن العزلة تكون حالة يفرضها المجتمع، حالة من النبذ واللاتواصل تفرضها المؤسسات الاجتماعية من أجل خنق الفكرة المنبوذة وحامليها، أما الاعتزال فهو عملية واعية يقوم بها من يتصور أن “الاختلاط” في مرحلته الآنية، سيعرض الفكرة لمواجهة مبكرة قد تكون قاتلة، لذا فالاعتزال يمثل فرصة نجاة محتملة لهذه الفكرة، وهو هنا، بالتأكيد، أعمق وأكبر بكثير من فرصة للتعبد والترهبن، فالاعتزال هنا ليس انسحاباً زاهداً بالمجتمع، بل هو “تكتيك” لمواجهة المجتمع، يتطلب انسحاباً مرحلياً.. دون أن ينسى إستراتيجيته الأساسية الرامية لإعادة بناء المجتمع..

هذا هو الكهف، تكتيك ضمن إستراتيجية أوسع، طور أولي من أطوار الاستحالة، تكون فيه الفكرة جنيناً يحتاج إلى “الحاضنة” التي تزيده قوة ومناعة، الفكرة هنا ستكون خارج التفاعل التاريخي، بل حتى خارج الزمان والمكان، فالكهف هو تلك “الفجوة” من الزمان والمكان التي تهيئ “الكمون” للفكرة، و”الكمون” هنا استمر ثلاثة قرون وأكثر، وكان في جوهره المحافظة على”البذرة”، بتهيئة الظروف التي تحافظ على حيويتها ونشاطها وصفاتها، بدلاً من تضييعها بزراعتها في أرض غير خصبة، وظروف مناخية غير مناسبة قد تجهض البذرة والفكرة في آن..

كان الاستثمار -ولو اللاحق- لتلك البذرة هو هم أولئك الشباب (الذين ظلوا شباباً لثلاثة قرون) لذلك فهم يتواصون فيما بينهم {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} [الكهف: 18/20] فالفلاح هنا هو الفلاح بالمعنى الأعمق والأوسع، وهو لا يقتصر على الفلاح الأخروي أبداً، إذ إن النجاة الأخروية لن تتعارض مع “الرجم”، بل إن “الرجم” سيكون أقرب الطرق إلى الفلاح الأخروي بالمعنى التقليدي السائد “حاليا!”، لكن لا، ليس ذاك هو الذي في أذهانهم، إنهم يريدون “الفلاح” الشامل، رديف النهضة، حيث الموقع الأخروي يتحقق عبر الموقع الدنيوي، إنهم يريدون الفلاح – أي فلاحة الأرض – عبر استخدام تلك البذرة التي اعتزلوا من أجل المحافظة عليها..

طور الكمون طور حساس ومهم جداً.. ذلك أن أي إنهاء مبكر له، سيعرض فكرة النهضة برمتها للإجهاض، وسيجعلها في سياق تفاعل غير متساوٍ، قد يحرف الفكرة عن مسارها.. وطور الكمون قد يستمر لفترة طويلة، لقرون، كما حدث مع أولئك الفتية، لكن في لحظة ما، ستحين “الفرصة التاريخية” التي تتيح للفكرة –البذرة أن تخرج من حاضنتها إلى حيث التربة والتفاعل مع الواقع..

قد تتمخض الفرصة التاريخية عند انهيار المؤسسات التقليدية بطريقة تجعل هذه الفكرة أكثر قرباً، تصبح خياراً معقولاً أكثر، وقد تتمخض عن تصادم المؤسسات ببعضها إلى حد الإنهاك، وقد تصبح، بشكل استثنائي، عندما تتبنى مؤسسة ما، لسبب أو لآخر، هذه الفكرة..

الخروج من الكمون، من الحاضنة التاريخية، إلى زمان الفعل ومكانه، خطوة مهمة وأساسية، لكنها نهاية الطور الأول فقط.. والتحديات الأساسية لم تنته بعده..

والأمر يشبه مخاض الولادة، الطفل ولد الآن، لكنه سيظل بحاجة إلى العناية والرعاية والاهتمام.. سيحتاج إلى اللقاحات والتحصينات، والتغذية المتوازنة..

لكنه، من هذه اللحظة فصاعداً: لم يعد جنيناً..

مشروع النهضة من البذرة إلى التمكين 2

. أحمد خيري العمري

الثوابت أولاً: حسابات الحقل والبيدر

فكرة النهضة التي تركناها في الحاضنة التاريخية، في كهف الكمون، انتظرت فترة طويلة حتى تمكنت من الخروج لمواجهة الواقع، وبعد الخروج من الكهف، يأخذنا السياق إلى طور الاستحالة الثاني، إلى صاحب الجنتين، وصاحبه، وذلك الحوار الذي تجاوز كل السياقات التاريخية، ليكون صالحاً لكل زمان ومكان: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً(*) كِلْتا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً(*) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً(*) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً(*) وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (*) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً(*) لَكِنّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (*) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً(*) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً(*) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً(*) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً(*) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً}[الكهف: 18/32-43].. سنلاحظ هنا أنهما “رجلان” هنا، الرجل المؤمن، والرجل الكافر، أي إن الإيمان لم يعد ممثلاً بفتية تمردوا على مكرسات مجتمعهم، والتجؤوا إلى “كهف” ليكمن إيمانهم هناك، بل صار ممثلاً في “رجل” مؤمن، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن الإيمان هنا تجاوز مرحلة المشاعر التي قد تغلب عليها العاطفة والحماس، ليصل إلى مرحلة أكثر نضوجاً تحتوي على هذه المشاعر، ولكن تضم أيضاً أبعاداً أخرى، تجعلها أكثر قوة، وتمكناً.

فلنلاحظ هنا أيضاً، أن طور الاستحالة الثاني، الأكثر قوة وتمكناً، صار ممثلاً في فرد واحد، وليس في مجموعة أفراد كما في الطور الأول، ولا يمكن أن يكون هذا قد حصل مصادفةً، لقد قلَّ “العدد” الممثل للطور الثاني، لكن القوة ازدادت، وهذا ينفي فوراً فكرتنا التقليدية عن “الكم”، لصالح “النوع”، فـ”الرجل” الذي مثل فكرة الإيمان والنهضة هنا، كان من “نوع” مرتفع جداً، بحيث إن ذلك “عوَّض” عن قلة العدد.. لم يكن الرجل هنا مجرد فرد عادي، مجرد مؤمن آخر، بل كان “رجلاً” حمل مسؤولية الحوار مع الفكرة المضادة، لم يهرب من مواجهتها، ولم يذب فيها وفي انتصارها، كان رجلاً واحداً هنا، لكنه كان يملك أرضية “الفكر” المستعد للصمود بوجه الفكر الآخر..

فلننتبه هنا، أن السياق القرآني لا يضع الرجل المؤمن في موضع “الداعية” مع الرجل الكافر، فليسَ هو من بادر إلى الحوار، ولكن الرجل الآخر، صاحب الجنتين، هو الذي ابتدأ: {وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} [الكهف: 18/34]..

وهذا يجعلنا ننتبه إلى أن الحوار قد يفرض أحياناً من الجهة الأخرى، وليس بالضرورة البدء إلا عند تمام الاستعداد لذلك، والأمر الثاني الأكثر أهمية هو أن “رجلنا” لم يرد على الآخر عندما كان الحديث عن {أَنا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً}، أي عندما كان يتحدث عن تفاصيل ثرائه وارتفاع مستوى دخله، ليس لأن هذه التفاصيل كانت حقيقية فحسب، بل لأن المقارنة هنا مجتزأة، وخارجة عن سياق تطور الفكرتين، فالكافر كان يعرض “ثمرة” نتاجه وهي في أوجها، بعد أن مرَّت بأطوار وأدوار استحالتها الخاصة بها، وصولاً إلى “الثمر” الذي يباهي به، ناتجه من تطور فكرته وتحقيقها على أرض الواقع، أما الرجل المؤمن، فلم يكن فكره أكثر من بذرة أخرجت تواً من كهف كمونها، ولا تزال في مراحلها المبكرة.

المقارنة هنا، هي مثل المقارنة بين رجل في مقتبل العمر، وجنين لم يولد بعد، الرجل حتماً أكثر قوة وقدرة، ونجاحاً وثراء.. هو {أكثر مالاً وأعز نفراً} حتماً وبالتأكيد لأن الجنين لم يأخذ فرصته بعد. المقارنة مرفوضة أصلاً، لأنها تجتزئ النتائج من السياق، سنلاحظ لاحقاً، بروزاً من صاحب الجنتين ما يدل على كفره: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (*) وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً} [الكهف: 18/35-36]. هنا سيكون الحديث ليس عن الثمر، والناتج، بل عن أصل البذرة، عن الفكرة الأصلية، عن الحجر الأساس الذي كون البناء كله، هنا صار بإمكان رجلنا أن يحاور، بل صار من واجبه أن يحاور، لذا لا سكوت هنا، بل جواب صريح وواضح يسمي الأشياء بمسمياتها، ويقول له، دون مواربة: أكفرت؟.. {قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً} [الكهف: 37/18] ويذكره، خلال ذلك، بأدوار استحالته هو، من العدم (من التراب) إلى الكينونة (الرجل).. كما لو أنه يشير هنا إلى أن كل كينونة إنسانية، لا بد أن تمر بمراحل التطور هذه، وأن مقارنته السابقة كانت ظالمة، مثل مقارنة نطفة، برجل..

فلننتبه هنا أن “رجلنا” لم تبهره ثروة صاحب الجنتين، كما أنه لم يكن مصاباً بعقدة نقص أمام نجاح صاحبه، ليس لأنه زاهد في الدنيا وما فيها، أو لأنه يريد الآخرة بمعنى عزل ذلك عن الدنيا، بل لأنه صاحب “ثوابت”، وبناؤه الذي يسعى لإنجازه يجب أن يكون مبنياً على أسس واضحة ومتينة، وأي بناء آخر، مبني على أسس أخرىـ مناقضة أو مضادة، يجب ألا يهزه أو يغويه، مهما تطاول وبدا براقاً..

كان صاحب الثوابت، في طور استحالته هذه، مفكراً يؤمن بتكريس وتحديد الثوابت،لا من أجل الدفاع عن الهوية ضد آخر يؤمن بعكس ما يؤمن، بل من أجل مشروعه الخاص، من أجل أن ينفذ من طور استحالة إلى آخر، فدون هذه الثوابت، ما كان يمكن لطور الاستحالة أن ينجز لأن الأساس في هذا الطور هو تحديد هذه الثوابت وبلورة وتوضيح حدودها، لأن هذا الأمر مهم لأية فكرة تمر بأطوارها الجنينية، أن تحدد ما هو أساسي، وما يجب المحافظة عليه، ما هو جوهر، وما هو حجر أساس يرتكز عليه السياق كله..

تحديد الثوابت مهم لهذه المرحلة، ومهم لتطور المراحل اللاحقة، لأن عدم الوضوح، وعدم وجود حدود واضحة، قد يعرض الفكرة لموت مبكر، عبر نفاذ أفكار أخرى، تمر بأطوار استحالة أكثر تطوراً، وتملك لذلك بريقاً أكبر قد يسهل دخولها، وحتى هيمنتها، ما لم تكن هناك حدود واضحة، حدود الثوابت التي هي المقياس والمعيار الذي يجب مقارنة النتائج، وتطور المراحل، على أساسه..

ولو أننا كنا في ذلك الطور، لسمعنا، وربما لقلنا شخصياً، للرجل صاحب الثوابت، أن يكف عن ذلك، وأن ينظر إلى ما أنجزه صاحب الجنتين، أن ينظر إلى ثمره، أو مستوى دخله، إلى الرفاهية التي حققها لشعبه، إلى تطاول بنيانه، إلى التقانة التي حققها.. سنسمع من يقول له: إنه يكابر، وإنه “ينتقد” فقط لأنه فاشل، وإنه مهما كانت هناك سلبيات لمشروع صاحب الجنتين، فإن ذلك أفضل من اللاشيء، أفضل من الأفكار المطلقة والتنظير المجرد الذي يروج له الرجل المؤمن، سنسمع من ينصحه بأن يحاول الالتحاق بصاحب الجنتين، أن يكون جزءاً من مشروعه، أن يجد له وظيفة عنده، أن يتعلم عنده “الصنعة”، وأن يفهم كيف وصل لما وصل إليه.. كيف وصل “لثمره”.. وسيكون ذلك كله منطلقاً من مقارنة غير عادلة بين مراحل غير مترابطة، مقارنة بين ثمر في وقت حصاده، وبين بذرة قد زرعت للتو.. سيكون المنطلق صحيحاً لو أن صاحب البذرة لا يضمر لها غير أن تكون بذرة فقط، لو أنه ينوي الاكتفاء بالتنظير المجرد، لكن التنظير للنهوض وتحديد الثوابت جزء من مشروعه، مرحلة لا بد أن يمر بها، طور استحالة يمر عبره، ويتبلور عبره، وتتحدد شخصيته أكثر، ليكون مهيئاً، لطور آخر، وآخر، وصولاً إلى ما كان يبدو أنه المستحيل بعينه :النهضة..

مشروع النهضة من البذرة إلى التمكين 3

موسى والخضر: فقه “الانطلاق” إلى الواقع:

السرد القرآني لقصة موسى والخضر يمتلك عدة مستويات للقراءة، كل مستوى منها لا يلغي الآخر، بل يتكامل معه، ويتدرج معه إلى المستوى العام الشامل، وكل هذه المستويات بريئة تماماً مما رسب في الخيال الشعبي من القصة، التي حولت الخضر إلى شخصية أسطورية لم تذق طعم الموت، ونسجت في ذلك القصص والحكايات، وجعلت له مقاماً يستحق النذور في كل بلد، وهذا كله هو النقيض تماماً ليس من السرد القرآني لهذه القصة فحسب، بل من كل ما أراده لنا القرآن ومن كل مقاصده وأهدافه..

محور قصة موسى والخضر، في جوهرها، هو النزول بالفكر والعقيدة إلى الواقع،إلى التفاعل الاجتماعي الحقيقي الذي يدخل هذا الفكر كطرف في معادلة البناء الاجتماعي، إنه النزول بالنظرية من إطار التنظير إلى إطار التطبيق، حيث المحك الحقيقي لمصداقيتها، فقوة أية نظرية، في النهاية، ليست في تماسكها ضمن إطارها الفكري وجدالها مع النظريات الأخرى، ولكن قوتها هي في صمودها عندما تتفاعل مع الواقع وتمكنها من الإثمار فيه والوصول إلى أهدافها عبره.

امتحان أية نظرية هو في تمكنها من إثبات أن ما تنادي به ليس مجرد شعارات برّاقة، بل هو حقيقة يمكن الوصول إليها.. والانتقال من الإطار النظري إلى الإطار التطبيقي، والنجاح هناك أصعب بكثير من البقاء في أسر النظرية.. قصة موسى والخضر تفتح أعيننا على ذلك، فإذا بها تقدم لنا رؤية جديدة للعلاقة بين الشريعة والحياة، وتقدم لنا زاوية أكثر انفراجاً ننظر فيها ومن خلالها لكل من أحكام الشريعة وأحكام الحياة، فإذا بالاثنين يلتحمان معاً، بدلاً من انفصالهما المزعوم، وبدلاً من الهوة التي يشتكي منها الجميع، نجد ذلك التماهي بين الاثنين الذي يرفع مستوى الحياة، ويخرج الشريعة من رفوف الكتب وأطر التنظير..

على درب الالتحام بين الشريعة والحياة، تأخذنا قصة موسى والخضر، من الرؤية الجزئية للنصوص، إلى الرؤية الشمولية لها، ومن الفهم “التبعيضي” إلى الفهم “الشمولي”، ومن الألواح الحجرية الجامدة التي نحتت عليها هذه النصوص، إلى واقع تشكله النصوص..

أول ما يلفت النظر في السياق القرآني هو أن موسى، كليم الله، صاحب المنزلة الرسولية المهمة، والأعلى قطعاً في زمانه، لم يتردد –على الرغم من مكانته– في السفر لغرض التعلم وطلب العلم، ولكن فلننتبه هنا إلى أنه هذا ليس مجرد تواضع طالب العلم، بل معرفته المسبقة أن النزول من المكتبة أو البرج العالي يتطلب علماً إضافياً، علم ما بين السطور، علم روحية النص ومقصده، وذلك لا يحدث إلا بالجمع بين النص والواقع، عبر رؤية شمولية لكل من النص والواقع، وهنا تأتي تلك الإشارة المذهلة إلى عزم موسى على الوصول إلى مجمع البحرين: {وَإِذْ قالَ مُوسَى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} [الكهف: 18/60] فمجمع البحرين هنا كناية عن ذلك التلاحم والالتقاء الفعال بين أمرين مهمين، بين النص الذي سيظل مهماً حتى في حرفيته، وبين فقهه وفهمه بشكل يجعل حروفه تثمر وتنتج واقعاً جديداً..

شيء آخر يلفت النظر هنا، وهو أن موسى يحدد الرشد، كمطلب أساسي، وليس العلم فحسب: {قالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكُ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف: 18/66]فليس العلم هو ما ينقص موسى، ولكنه يريد الرشد، أي كيف يكون هذا العلم الذي عنده ضمن منظومة موصلة إلى الحق.. أي إنه ليس العلم المجرد.. ليس العلم فحسب، بلالعلم الموصل إلى بناء المجتمع من جديد.

يلفت النظر أيضاً هنا في ردّ الخضر أمرين اثنين:

الأول – أن الخضر طالبه بالصبر ابتداءً {قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [الكهف: 18/67] وهذا يشير إلى صعوبة المهمة ووعورة الطريق الفاصل بين النقطتين.

الثاني – هو أن الصعوبة يحددها الخضر في “عدم الإحاطة” {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [الكهف: 18/68] أي إن المشكلة هي في فهم تجزيئي، فهم تبعيضي، لا يرى من الأمور غير بعض الجزئيات التي تجعل من الإثمار ومن إنتاج الواقع الجديد أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً، أما “الإحاطة” التي أشار إليها الخضر، فهي ذلك الفهم الشمولي الذي فيه الكل غير منفصل عن الجزء، والتفاصيل منتظمة داخل منظومتها أوسع، بشكل يجعلها فاعلة ومتفاعلة.. كل ما علمه الخضر لموسى كان يرتكز على إزالة الفهم الجزئي –للنص أو للواقع– وعلى إحلال رؤية شمولية تجمع النص بالواقع..

الرحلة فيها ثلاثة مواقف، يجعلنا السياق القرآني نمر فيها أولاً ونحن نرى بعدسة سيدنا موسى، فنكاد نهب معه معترضين على ما نرى، ثم يجعلنا السياق القرآني نمر على المواقف نفسها ولكن هذه المرة ونحن نرى بعين الخضر، فنرى كل شيء مختلفاً، ونوافق على ما فعل الخضر كما لو أننا لم نعترض قبل قليل.

والفرق بين موقفنا في الحالتين هو الفرق بين الحكم المبني على الرؤية التجزيئية، والآخر المبني على الرؤية الشمولية.. في الموقف الأول، وعبر الرؤية التجزيئية نرى (السفينة)، ونرى الخرق الذي أحدثه الخضر، فلا نرى غير النتيجة المباشرة لهذا، ولذلك نقف مع اعتراض سيدنا موسى، لكن عبر الرؤية الشمولية، تتسع زاوية الرؤية فنرى السفينة ضمن محيطها الاجتماعي الأوسع، فلا تبقى السفينة مجرد ألواح وخشب، مجرد وجود فيزيائي، بل تصير مرتبطة بالنسيج الاجتماعي الذي يرتبط بهذه السفينة، فإذا عليها مساكين يعملون في البحر، ووراءهم ملك يغتصب ما يحلو في عينه من الممتلكات ومنها السفن، وهكذا سيبدو أمر المحافظة على السفينة، ولو بعيب، ولو بتعرضها لخطر يستطيع عمالها إصلاحها لاحقاً، أهم من المحافظة على سلامة ألواحها وخشبها، مقابل اغتصاب الملك لها..

في الموقف الثاني نرى أولاً “الغلام”، مجرد غلام لم يرتكب ما يستحق أن يقتل من أجله، لذلك سنرى موسى محقاً في اعتراضه، لكننا لاحقاً نرى أن الغلام ليس معزولاً عن وسطه الاجتماعي، وأن له تأثيراً سلبياً على أقرب المقربين له: أبويه. إنه ذلك “الابن” الذي تتبين ملامح عقوقه وجحوده مبكراً، وتكون إزالته المبكرة، على ما في ذلك من ألم، أقل إيلاماً من الإبقاء عليه وعلى مشاكله وعلى ما سينتج عنه من سلبيات يكبر حجمها مع الوقت؛ لذلك فإن (قتله) هنا وفي هذه المرحلة، وبينما أبواه لا يزالان قادرين على الإنجاب، سيسبب لهما الألم حتماً، لكنه سيدفعهما إلى تكرار الإنجاب..

في الموقف الثالث نرى موسى والخضر وهما بحاجة إلى طعام وضيافة، وهنا سيكون من حق موسى المطالبة بأجر يقيم أودهما لقاء ما أقامه الخضر من جدار كان آيلاً للسقوط، لكن الرؤية الأوسع، ستجعلنا نرى مجتمعاً آيلاً للسقوط، وليس فقط جداراً متهاوياً، مجتمع بلغَ أفراده حداً من الفردية والانغلاق لدرجة أن المجتمع مقبل على التشظي، الرؤية الأولى تجعلنا نرى جداراً يشرف على السقوط، ومعدتين خاويتين،أما الرؤية الثانية فهي تجعلنا نرى بناءً اجتماعياً يشرف على السقوط وفقدان آتٍ لكل قيم العدالة والتكافل الاجتماعيين، “إقامة الجدار” هنا كانت عملاً ترميمياً يمد في عمر البناء، دون أن يعني ذلك أن هذا هو الحل، فهذا المجتمع كان يحتاج إلى جيل جديد قادم (ممثلاً في الغلامين اليتيمين، النبتة الصالحة التي ذاقت معنى الظلم الاجتماعي)، وهو جيل سيستطيع أن يستثمر الكنز الدفين عبر هدم واعٍ لأسس هذا البناء الاجتماعي، هدم بتخطيط مسبق، وليس مجرد انهيار عشوائي.. أي إن إقامة الجدار هنا كانت إطالة لعمره إلى الوقت الذي يجب أن يهدم فيه تماماً.

لكن لماذا لم يأخذ الخضر الأجر؟ ليس فقط لأن الاستثمار الأهم بعيد المدى كان في الكنز، ولكن لأن المطالبة بالأجر، بعد إقامة الجدار، قد تجعل صنفاً كهذا من الناس، يندفع إلى هدم الجدار من أجل التهرب من دفع الأجر، وكان هذا سيكشف الكنز، لذا كان يجب تناسي الأمر، من أجل ذلك الاستثمار ربحاً، الذي سيأتي على يد جيل آخر، قادم لا محالة..

الخرق الذي أحدثه الخضر لم يكن في السفينة فقط، بل كان خرقاً في ذلك الفكر التجزيئي الذي يجعلنا نعجز عن رؤية ما هو أبعد من أطراف أنوفنا، إنه خرق يجعلنا نرى العالم من زاوية أوسع، زاوية أكثر شمولية وانفراجاً، فإذا بالنصوص تتمكن من المساهمة في إعادة بناء العالم، بدلاً من أن نجدها متخبطة وقد سلبت منها فاعليتها..

ما يلفت النظر هنا، أن كل موقف من هذه المواقف الثلاثة، ابتدأ بـ(وانطلقا)، كما لو أننقطة الانطلاق الحقيقي إلى الواقع، يجب أن تمتلك عدة الفهم الشمولي، لكي تتمكن من إعادة تشكيل الواقع.. لا الذوبان فيه مع الرؤية التجزيئية.. كما لو أن الانطلاق إلى النهضة الحقيقية لا يمكن إلا من هذه المنصة: منصة الفهم الشمولي..

وسيكون من المؤسف جداً هنا، أن نرى كيف تحول هذا السرد الباعث للحياة إلى مادة أسطورية مليئة بالخرافات عن رجل لم يعرف الموت.. وله في كل بلد مقام تقدم له نذور هي بالتأكيد المثال العملي لكل ما هو ليس من الإسلام..

مقام الخضر الحقيقي ليسَ هناك، بل مقامه هنا، في هذا السرد القرآني لعملية النزول إلى الواقع.. وعندما نبث الحياة في الفهم الشمولي المنبعث من هذا السرد، فإن الواقع سيخضر ويثمر.. وستنهار تلك الهياكل الخرافية، التي كانت آيلة للسقوط طول هذه الفترة..

مشروع النهضة من البذرة إلى التمكين -4

ذو القرنين: الموقع من الإعراب حضارياً

: لم تكن عملية نزول الفقه إلى الواقع التي شكلتها رحلة سيدنا موسى مع الخضر، عملية مفرغة من المقاصد التالية، ولم تكن المعرفة الشمولية (التي نتجت من التأويل الذي “خرق” مركب الرؤية التجزيئية) هي المحطة الأخيرة في تلك الرحلة، بل كانت “موقفاً” أساسياً، احتاجته رحلة الفكر، ليزودها بالطاقة اللازمة للانطلاق إلى المحطة – الهدف، إلى ذروة الرحلة التي بدأت من كهف صغير، مع مجموعة من الفتية.. إلى أن وصلت، ومع أواخر سورة الكهف، إلى القمة المرجوة، إلى ذي القرنين..

ليس مهماً هنا أبداً، نسبه واسمه وزمانه ومكانه، ليسَ مهماً إن كان اسمه الإسكندر المقدوني أو هرمس أو مرزبان أو هرديتس أو الصعب بن ذي يزن، ليس مهماً أن كان في عهد إبراهيم، أو عهد المسيح، وليس بعيداً أن يكون أكثر من شخص، كما قالت بعض التفاسير.. لكن فلنتذكر هنا أن كل تفصيلات الزمان والمكان وما يتعلق بهما هي مجرد تفاصيل تعالى عنها النص القرآني، وجعلنا بهذا التعالي ندخل في جوهر الأمر، الذي هو علامته الفارقة في الوقت نفسه..

سيستوقفنا الاسم، ولن نقتنع كثيراً بأن ذلك كان يعود لضفيرتين في رأسه، أو لخوذة بقرنين، لكن سيلفت نظرنا قول البعض: لأنه أعطي علم الظاهر والباطن، ولأنه دخل الظلمة والنور، ولأنه ملك فارس والروم. تلك الثنائيات، المنبثقة من “القرنين” ستشدنا للمزيد: هل لأنه كان رمزاً لحضارة جمعت العدل والقوة؟.. والدنيا والآخرة؟.. هل لأنه كان رمزاً لتوازنات حضارة تمكنت من المادة دون أن تنأى عن الروح؟ هل مجموعة التوازنات هذه هي التي شكلت حضارة الذروة هذه؟ أو أن هذه التوازنات تسهم في المحافظة على الذروة لفترة أطول وتؤخر دورة الانهيار التي لا بد أن تمر على كل الحضارات؟..

سنقرأ ما كتبه بعض المفسرين من أن الخضر كان حامل لواء ذي القرنين بعين جديدة.. لا إسناد قوياً على هذا القول طبعاً، لكن هل كانت هذه هي طريقة الأولين في التعبير عما نراه اليوم من ارتباط رحلة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر، وما تعلمه منه، مع الوصول إلى حضارة ذي القرنين..

وسيقول لنا القرآن الكريم مباشرة عن سر التمكين الإلهي لذي القرنين، ليس من أسرار هناك في الأمر أصلاً، فهذه الحضارة تشترك فيما تشترك فيه كل حضارة تصل إلى القمة، لكنها تزيد على ذلك، فلا بد لكل حضارة أن تتمكن من الأسباب، من العلوم، لكي تصل إلى مرتبتها القصوى، لكن حضارة ذي القرنين ليست أية حضارة، إنها الحضارة الذروة في السياق القرآني، وذلك لأن الأسباب التي أوتيت له، كانت “من كل شيء”.. أي إنها تعبر عن علم شمولي برؤية شمولية، رؤية لا تجزئ الإنسان ولا تجزئ الواقع، وسيضعنا ذلك مرة أخرى وسط التوازنات التي شكلها وكوّنها ذو القرنين، وسيضعنا أيضاً على صلة مباشرة بالرؤية الشمولية التي حرص الخضر والقرآن على زرعها كعدسة نصفها في أعيننا عندما نقرأ الواقع، وعندما نتعامل مع النص..

إنها أسباب كل شيء، العلم الشمولي المتكامل الذي لا يهمل فيه جانب لحساب جانب آخر، ولكن هذا ليس كل شيء مرة أخرى، إذ إن هذا العلم الشمولي، علم الأسباب المتكاملة، يستثمر من أجل إصلاح العالم، ذلك أنه ليس علماً يخص قوماً بعينهم أو أمة بعينها، لكنه علم الإنسانية جمعاء، لذلك سنرى ذي القرنين وهو (يتبع سبباً)، وفي كل مرة تتكرر تلك الآية سنراه وهو يجوب العالم لإصلاحه ونشر الحق والعدل فيه، والأمر هنا ليس خاضعاً للنسبية الأخلاقية المزعومة، بل هو مرتبط بمنظومة قيم سماوية، لكن الفهم الشمولي لها هو الذي سيكون ضمانتها من السقوط في الجمود وحرفية التطبيق بمعزل عن مقاصدها وغاياتها؟..

سنرى حضارة ذي القرنين تفتح العالم شرقاً وغرباً، تعيد ترتيبه وتكوينه، ليكون عالماً أفضل، سنراه يذهب أولاً إلى حيث تغرب الشمس، إلى حيث الأفول، وسنرى “العين الحمئة” هنا، التي تغرب الشمس فيها، مثالاً رمزياً على كل حضارات الأفول، تلك التي تستنفد قيمها ربما دون أن تفقد مظاهر قوتها، لذلك فهي تظل “نبعاً” وتظل تبث قيماً ترتبط بما هو سفلي في الإنسان، وكونها “نبع” و”طيني” هو ما تمثله كلمة (عين حمئة) التي  تعبر عن مظهر أفول وغروب كل حضارة.. سنلاحظ هنا أن التواصل قد يكون ممكناً مع حضارة الأفول، وأن بوصلة القيم المرتبطة بالآخرة، وبالإيمان والعمل الصالح، وبالعدل، قد تثمر، عند تفاعلها، ولو كان فصل هذه الحضارة، هو شتاء الأفول..

على الجهة الأخرى من التفاعل، سنرى ذا القرنين وهو يذهب إلى حيث تطلع الشمس، من حيث يفترض أن تبدأ الحضارة بالبزوغ، وسنرى النقطة الحضارية صفراً، قبل أن تنشأ نواة الحضارة، حيث يشير النص القرآني إلى أنه لم يكن هناك ستر بين القوم عند النقطة صفر، وبين الشمس.. أي إنهم في مرحلة “ما قبل البناء”.. وذلك سيعني فوراً أنهم قبل الاستقرار، في مرحلة قد تشبه الرعي أو البداوة.. أو أي شيء ما بينهما.. وهذا يعني أنهم لم يدخلوا معادلة الحضارة التي تتضمن إعمار الأرض وتحتم الاستقرار كمرحلة أولية..

وبين المطلع والمغرب، سنجد هناك قوماً عزلوا أنفسهم خارج المعادلة الحضارية وشروط حركتها، حبسوا أنفسهم بين سدين، وصاروا وراءه، ربما كانوا يتصورون بذلك أنهم يحافظون على ما لديهم، لكن نتيجة هذا كانت الانغلاق لدرجة أنهم صاروا لا يفقهون قولاً، و”عدم الفقه” هذا ليس ناتجاً فقط عن اختلاف لسان، بل عن عدم وجود قاعدة مشتركة للحوار، انعزالهم جعلهم غير قادرين على التواصل مع أيٍّ كان، جعل رؤيتهم تجزيئية وبالتالي جامدة، وهذا كله جعل من فاعليتهم محصورة في الإفساد في الأرض، فكانوا يأجوج ومأجوج..

وسنرى أن القوم الذين يخاطبون ذا القرنين يطالبون بحمايتهم من يأجوج ومأجوج ليسوا بالضرورة قومه، لكنه رمز لحضارة إنسانية تتعالى عن العرق والقوم واللون والجغرافية، وسنرى القوم يعرضون عليه “خرجاً= ثمنا” مقابل ذلك، لكنه يرفض، لأن التمكين مسؤولية وتكليف وليس تشريفاً، ولذلك فالتصدي للخطر هو من صلب مسؤوليته، لكنه ليس من مسؤوليته وحده، بل مسؤوليتهم جميعاً، لذا فهو يطلب منهم المشاركة، بدلاً من أن يطالبوا فقط، إنه التوازن بين أداء الواجب والحصول على الحق، وسنرى كيف يذوب الفرد في الأمة والأمة في الفرد، الأنا في النحن والنحن في الأنا، سنرى كيف يشاركون بأنفاسهم في الأمر (وانفخوا)، وسيكون التماسك الاجتماعي الذي مثله كل هذا مرتبطاً بالتماسك المادي الذي مثلته التقنية هنا: الحديد مع القطر، وسيكون ذلك كله محققاً لنتائج أفضل حتى من المطلوب، فقد كان المراد أولاً: مجرد سد يحجز يأجوج ومأجوج، لكن الذي تحقق كان “الردم”، وهو أكبر وأبلغ من السد، ويذكر بذلك الذي يجمع بين الثنائيات كلها: الدنيا والآخرة، الروح والجسد، المادة والغيب، الفكر والسلوك.

سيبدو الردم هنا تلك القمة التي وصلها ذو القرنين والتي يمكن أن يصلها كل من يحاول اتباع الأسباب الشاملة، لصنع عالم أفضل..

ستكون تلك المحطات الثلاث، وتلك القمة العالية التي وصلها ذو القرنين بمثابة استفزاز لنا لكي نعرف ما موقعنا من الإعراب في جملة الحضارة، هل نحن “بين السدين” وقد أغلقنا على أنفسنا رؤيتنا التجزيئية للعالم ولأنفسنا وللنص، فتحولنا إلى الإفساد في الأرض سواء وعينا أم لم نعِ.. أم هل نحن لم نصل لذلك أصلاً؟.. ولا نزال عند “العين الحمئة”- الغربية؟ باعتبار أن طينها هو أفضل ما يمكن الوصول إليه..

يتوهج النص القرآني بين أيدينا ونحن نعيد فهمه بضوء شروط الحضارة، يتوهج هو، ويبعث الضوء..

بقي أن نتوهج نحن!..